إجابة «كيف أكتب» + كواليس نشرة قوارش 🤫

لمقالات النشرة أنواع متباينة، ولكلٍّ منها طريقة مختلفة في الإعداد والتفكير والكتابة، إليك تفاصيلها.

سألت نورة الدوسري: «كيف شكل العملية الكتابية لك يا نواف بشكل عام وفي هذي النشرة بالذات؟ موضوع يجي في البال ثم إلهام واسترسال؟ أو بحث وتقصي وبعد تكون الفكرة تكتب؟»

وجوابها المختصر غير المفيد: جميع ما سبق، ولا شيء ممّا سبق. 

كيف؟ التفصيل سيجيبك ويوضح لك مع الأمثلة والأدلة. 

بدايةً أعترف أنّ العملية الكتابية ترهقني كثيرًا وتمتعني أحيانًا. وكثير من مقالات هذه النشرة لا أكتبها إلا لأنّي ألزمت نفسي بمقالة كلّ سبت، لا طاقة لي ولا مزاج للكتابة، وما إن تغيب شمس الجمعة حتى تشرق مشاعر القلق وتساؤلات «ماذا سأقول غدًا؟» هل سأستسلم؟ هل انتهت أفكاري وتأمّلاتي ودروس حياتي؟ الجيد أنّني لا أجعل عدم النشر خيارًا واردًا لذلك يندر أن أتورّط. وستجيبك مقالة اليوم عن كواليس فقرات النشرة ومصادرها وطريقة ولادتها سواءً أكانت طبيعية أو قيصرية.

أولًا.. اختيار العنوان

أميل لاختيار عنوانين أوّليَّين يُذهبان عنّي عبء الاختيار السريع إن داهمني موعد النشر، ويؤطران الفكرة التي أودّ الحديث عنها. أحيانًا أختار الأفضل من بينهما، وكثيرًا ما أغيّرهما منعًا لظُلم محتوى المقالة بعنوان عادي أو مضلِّل. أحبّ اختيار عناوين من منطقة وسط، تقع ما بين العناوين الرتيبة التقريرية المملّة الظالمة للمحتوى، والعناوين المثيرة «الكليك بيتية» الكاذبة المضلّلة التي تجعلك تشتمني بعد قراءة المقالة.

فقرة ما قبل صباح الخير

ستتعجّب إن قلت لك إنّ هذه المساحة الصغيرة من نصوص النشرة هي الأصعب والأقرب إلى قلبي. يندر أن أكتبها يوم السبت. لديّ مخزون من الخواطر التي تزورني في لحظات الصمت كلّ يوم أو يومين فأصطادها وأقيّدها، وأختار أفضلها لقرّاء النشرة بدلًا من هدرها على منصّات التواصل المشغولة بمحتوى أقدَر على إفراز الدوبامين وباقي هرمونات الجسد من نشرتي المسكينة. وسأسرّ لك بوظيفتين لتحيّة «صباح الخير» الموجودة في تمهيد النشرة. الأولى إلزامي بالنّشر صباحًا بناءً على رغبتي في الالتزام الموضحة أعلاه (وليتني أفلح)، والثانية هي حرمانك من نشوة الردّ بـ«So what» إن قرأت فيها ما لا يعجبك. 

فقرة قال نوّاف

أدري أنّ نورة تقصد بسؤالها هذه الفقرة، وجوابي المختصر يخصّها أيضًا. فلمقالات النشرة أنواع متباينة وإن بدت متشابهة، ولكلّ نوع منها طريقة مختلفة في الإعداد والتفكير والكتابة، وإليك التفصيل مع التمثيل دون تجميل:

مقالات الرأي المتطرّفة

متطرفة كما يراها البعض، وبديهية طبيعية كما أراها، وما هي إلا دروس تعلّمتها بالطريقة الصعبة. أصرّح بها لصديق في جلسة أو زميل في استشارة، أو أفتح جهازي صباح السبت وأكتبها لك بصفتها رأيًا شخصيًا يمثّل صاحبه، مُحاولًا حشد إثباتاته المنطقية بالنسبة له، بلا بحث سابق لأقوال العلماء ولا تتبّع لآراء الخبراء. هذا النوع من المقالات يُكتب في جلسة واحدة من عقلي إلى بريدك، فهي خلاصة تجربة شخصية وقناعة فردية تراكمية، فإما أن تصدّقها وتعمل بها وتحفظ وقتك وحياتك، أو أن تتجاهلها اليوم وتقتنع بها غدًا بعد أن يغزو الشيب رأسك ويجفّ الحبر من قلمك. مثالها مقالة (لماذا لن تفيدك دورات الكتابة).

مقالات كما قال الكتاب

بصفتي مدير محتوى تسويقي (غير متخصّص أكاديميًا) يزعم أنّ نشرته تفيد كتّاب المحتوى… لا يُعقل أن أكتفي بنقل تجاربي وخبرتي وفزلكتي مهما بلغتُ من الفهم أو الإبداع. ثمة قواعد يكتبها لنا المختصّون من المسلمين والكفّار، علينا أن نبحث عنها ونقرأها أو نشاهدها، نراجعها ونستوعبها ونربط بينها وبين تجاربنا وملاحظاتنا في ممارسات السوق، ونلخّصها ونشرحها بأسلوبٍ سهل. ولهذه المقالات فخّ وثمرة! الفخّ أنّها تحتاج منّي جهدًا ووقتًا في البحث وتجميع الأفكار في مسوّدات عديدة لا تقلّ عن جلستَي كتابة، وتفنيد الأقاويل وكتابة نصٍّ صادق أنقل لك فيه ما صدّقته وجرّبته بنفسي وتأكّدت من جدواه في سوق السعودية على الأقل، وإن كتبتها نقلًا مجرّدًا من مقروءاتي وبحثي فسيشعر القارئ بذلك ويعرف أنّني أسلق له مقالة بدلًا من أن أسرق بفنّ. أمّا ثمرة هذا النوع فهي سبب استمراري فيه، وهو أنّه يضيف لي معلومات ويرسّخ أخرى ويفتح الباب لمقالاتٍ ممتدّة تعالج أجزاء متعلّقة بالموضوع ذاته. وأمثلة هذا النوع كثيرة، منها مقالة (الرغبات الكامنة وراء قراراتك).

مقالات كوب القهوة

هذا النوع من المقالات يكتُبني أكثر ممّا أكتبه! قد يكون قصة أيقونية في حياتي أو موقف عابر مررتُ به وأصبح يلحّ عليّ طوال الأسبوع لأنقله لغيري في درسٍ غير مباشر إن لم يمتعك فلن يضرّك. في حياتنا جميعًا من القصص ما يستحق أن يُروى، والفارق بين الكاتب وغيره أنّه يعرف (ما يستحق أن يُروى) و (كيف يُروى). عادةً ما أكتبها في جلسة قهوة لمدة ساعتين وكأنّي أتحدث إلى صديقٍ مفضّلٍ أخرس يجلس في الكرسي المقابل ليستمع إلى قصّتي. أستطيع أن أصنّف مقالة اليوم من هذا النوع، ومثلها مقالة (المكالمة الفائتة التي غيّرت مجرى حياتي).

مقالات تحليلية

أكرّر دائمًا اقتباسًا لبولمان سبارك (لا تبحث عنه)، يقول فيه إنّ الكاتب يصل بقليلٍ من القراءة وكثير من التأمل إلى ما لا يصله مَن يعكس هذه المقادير. وليس غرورًا أن أعترف بأنّي من المبتلين بهذا التأمل، خصوصًا أنّه يأتيني على هيأة إفراطٍ في التفكير أو ما يسمّيه أصحاب علم النفس (Overthinking). هذا النوع من المقالات ربّما ينطبق عليه دافع الإلهام الذي يتنزّل على الكاتب، لا أدري، ما يهمني هو ضرورة تقييد هذه الأفكار فورًا في «قروب واتساب» أختلي فيه مع بنات أفكاري، وأسجّل فيه تأمّلاتي الخاصة على مدار أيام الأسبوع كمسوّدات صوتية تطول أو تقصر. عادةً أعود إليها في صباح الجمعة وأحوّلها إلى مسودة نصية أولى. وأسمّيها نظريّات لأنّي لا أصل إليها إلا بعد عمليات حسابية ذهنية، مثالها نظرية المديفر ونظرية فضل شاكر ونظرية ضياء العوضي، إلى جانب سلسلة «اكتُب كمهندس» والله المستعان.

فقرة قال أحدهم

قد تعجبك مقولات النشرة المنقولة، وقد تنزعج إن علمت أنّني أنسخها من الذّكالي بعد أن أعطيه مقالتي وأطلب منه اقتراح عدة مقولات عربية وأعجمية تصبّ في اتّجاه المقالة، ثم أتحقّق من صحّتها. 

فقرة قالت الآلة 

طبعًا تساعدني فيها الآلة، فالسؤال منها وإليها، وسبق أن طلبت منهنّ (كلّ الآلات يعني) اقتراح مئات الأسئلة ثم جهزت مخزونًا يساعدني على حفظ وقتي وأتمتة هذه الفقرة بطريقة تضمن جودتها ولا تجعلها شاذة عن هويّة النشرة. علمًا بأنّني قرّرت اليوم تغيير مسارها مع بقاء عنوانها.

فقرة ما قولك

العجيب أنّ أكثر من شخص صارحني بأنّها فقرته المفضّلة، ولا عجب، فهي ما يجعل هذه النشرة تواصلية لا اتّصالية، والإنسان مجبول على تقدير الشيء الذي يبذل فيه جهدًا، هذه الفقرة تزيد انتماءك للنشرة وارتباطك بها لأنّك إن أجبت عنها ستترقّب ظهور اسمك (في التلفزيون). ومصدري في أسئلتها هو شكل السّواد الذي أنظر إليه قبل أن أغطّ في نومٍ عميق كلّ ليلة.

من غير اللائق أن أختم هذه المقالة دون أن أخبرك ببقية أسراري التي لا يعيها غير الناطقين بالكتابة. لن تتخيّل عزيزي القارئ مدى اهتمامي بمزاجي الإبداعي وتدليلي له. أستطيع أن أعدّها عمليات ضرورية لتدليل بنات أفكاري.

ماذا تريدين؟ قهوة وسكّر؟ تفضلي🍪. 

نوم يزيد عن تسع ساعات؟ ولا يهمّك 📵. 

هدوء تامّ في كرسي غير مريح بأقصى مقاهي المدينة؟ يكون 🏝️.

أغانٍ نكديّة بلا سبب كما يحدث أثناء كتابة هذه المقالة؟ هاك 🎶.

تأجيل نشر المقالة في آخر ساعة وكتابة مقالة أخرى ملحّة تطرق رأسي الآن؟ تم.

ناهيك عن أنّ مستنداتي مليئة بأفكار لمقالات ضعيفة لا تقلّ عددًا عمّا حرّرته من مقالات جيدة، فإن لم تضع سلّة نفايات لأفكارك المهترئة أو المترهّلة فستتسرّب دون أن تشعر إلى مائدة ضيوفك! ويا كبرها عند الله.

بعد إفصاحي عن هذه المنهجية القوارشية أيقنت أنّ هذه العمليات البشرية «المعقّدة» هي ما سيميّزنا عن كتابات الذكالي السطحية «البسيطة». نعم.


«أكتب حين يأتيني الإلهام، وأحرص على أن يأتيني في التاسعة من كل صباح.»

بيتر دي فريس


هروبًا من الملل، قررتُ فجر اليوم تحويل هذه الفقرة من فقرة جادة جدًا إلى ساخرة جدًا من المحتوى المنشور من جهات ومكشوف أنّه مولّد بالغباء الاصطناعي، ستصلكم بشكلها الجديد بدءًا من السبت القادم إن شاء الله.


يمرّ الواحد منّا بمراحل عجيبة في حُكمه على الأعمال ومستوى الإبداع فيها، وألخّصها في أربع مراحل للحكم على الأفكار الإبداعية. اقرأها هنا.


أعجبتك النشرة وودّك تستمرّ؟ أرسلها إلى 64 شخصًا قد تفيدهم، وتابع قناتها في واتساب.

كواليسالنشرات البريدية
نشرة قوارش
نشرة قوارش
كلّ سبت

نشرة بريدية أسبوعية تفكّك ألغاز المحتوى لمَن يخوضون معارك سوداء مع الصفحة البيضاء! 🖋️