آسف — لماذا لن تفيدك دورات الكتابة!
أعتقد أنّ السّواد الأعظم من دورات وورش الكتابة ومنتجاتها الرقمية عديم الفائدة! إلا إذا…

على طاري كلمة «آسف».. مررتُ بتحليلٍ عجيب لهذه الكلمة، مفاده أن لا وجود لها في لغتنا العربية! وما هي إلا ترجمة عرنجية لكلمة «sorry» التي تعني الشعور بالأسى تجاه ما تمرّ به، سواءً كان بسببي (حين أخطأت بحقك) أو بسبب مصيبةٍ أصابتك. وهذا وإن كان مقبولًا في حالة المصيبة فلا مبرّر له عند الخطأ! أن أخطئ وأكرّر أخطائي تجاهك ثم أشعر بالأسى أو الندم فهذا لن يطيّب خاطرك ولن يجبر كسْرك. الاعتذار أن أثبت لك أحد أمرين: عدم تعمّد الخطأ (مثل تأخّري في إرسال النشرة لعُطلٍ تقنيّ)، أو تقديم ما يضمن عدم تكرار الخطأ. وكلاهما لا علاقة له بكلمة «آسف». صباح الخير.

أرجو أن لا أضطرّ لحذف هذه المقالة يومًا ما. فضميري الحيّ يطلب منّي كتابتها، لأنّ كثيرًا ممن يتابعون هذه النشرة يشاركوني الرغبة في تطوير مستواهم في صناعة المحتوى وكتابته. وضميري الميّت يلحّ عليّ في تجميع أكبر قدرٍ ممكن من المتابعين ثم إطلاق منتجٍ رقميّ ببضعة مئاتٍ من الدولارات، يبيع نفسه وأنا نائم، ويغذّي أرصدتي بـ«الدّخل السّلبي» الجميل. ولقد هممتُ به لولا «الشعور السلبيّ» الذي ينتابني كلّما فكرت في صدق هذا البيع.
رأيي الحقيقي الذي يعرفه المقرّبون، وأعرفه بيني وبين نفسي، أنّ السّواد الأعظم من دورات وورش الكتابة ومنتجاتها الرقمية عديم الفائدة! ولو خاضَ مشتريها نقاشًا مطوّلًا مع آلة ذكالي، أو أجرى بحثًا عميقًا في مواقع الإنترنت، لوَجد من المعارف أكثر مما يجده في المنتج الرقمي المركون في بريده منذ سنوات.
يأتي سؤالنا المفضّل «لماذا؟»
هل تقول هذا الكلام لأنّك كسول ومشغول؟ لا تجد الوقت الكافي لبناء منتجك الرقمي الذي يشكرك -أو يشتمك- بسببه أحفادك؟
ربّما! وربّما لأنّي أضربتُ عن حضور الدورات التدريبية منذ سبع سنوات، ومارست كلّ أشكال كتابة وإدارة المحتوى التسويقي، فما نقص علمي ولا دخلي ولا فُرصي. وأفصحت هنا عن معظم أسراري في صناعة الأفكار وآليات الكتابة، فما فُصلت ولا أفلست ولا ندمت، ولا تأسّفت إلا على الوقت الذي قضيته في حضور الدورات الجماعية وقراءة المنتجات الرقمية.
والسبب الأهم إيماني الراسخ -بعد تجارب عديدة- بأنّ ما تمنحك إيّاه الدورات والورش هو الشعور الجميل. أن تمارس شيئًا تحبّه، وتلتقي بأشخاص يشاركونك الاهتمام، وهذا جيد ومطلوب ومفيد. لكنّه غير كافٍ لنقل المعرفة وإتقان الصنعة.
أمّا المنتجات الرقمية فمعظمها يُبنى على ظنون الصّانع لا احتياج المتلقّي! وستجد فيها من التنظير، وبيع الوهم، والنّسخ من كلام الآلات، ما الله به عليم.
رغم هذا كلّه أقول: لا حرج على من يبيع منتجاتٍ رقمية تعلّمك مهارة التسويق أو الكتابة أو التصميم… فهذه مهارات ملموسة يطلبها سوق العمل في النهاية، وقد يستفيد منها المبتدئون، أو نوعٌ من الناس لا يطمئنّ للمعلومة إلا إذا أنفق فيها ماله. غير أنّي أتعجّب ممّن يحاول أن يبيعك طريقةً تحوّل فيها خبرتك إلى منتج رقميّ، عن طريق منتجٍ رقمي يعلّمك كيف تكسب المال من المنتجات الرقمية! فهذا بالضبط مثل من يأخذ مالك ليستثمره لك ويعدك بالرّبح، لكنّه يكسب ربحه من رسومٍ ثابتة يقتطعها من أصولك، لا من أرباحك الموعودة!
طيّب ما الحل؟ لا سبيل للعلم والتطوّر المهني إلا قراءة النشرات؟
بلى، لكنّها رحلة طويلة تبدأ بثني الرُّكب، بالملازمة والمناقشة، والتدريب والتصحيح، والتدقيق والتمحيص. رحلةٌ تراعي فوارق البديهيات وتباين القدرات بين المتدرِّب والمتدرّب الآخر والمدرِّب! وتضع يدها على الاحتياج الفردي لكل شخص، لتعرف جوانب النقص والإشكال عنده، وتخوض عملية تقييم لوضعه وتطوير لقدراته بناءً على ميزاته وعيوبه وزوائده ونواقصه، في رحلة معقّدة بطيئة تشبه عملية الكتابة (المعقّدة). أمّا شراء المنتجات الرقمية فهو في الغالب وسيلة جيدة، تدرّ على بائعي الكلام دخلًا سلبيًا، وتعطيك شعورًا إيجابيًا. والله أعلم.

«ما نحتاج أن نتعلّمه قبل أن نفعله، إنّما نتعلّمه بأن نفعله.»
أرسطو

وصلني سؤال عزيز في رابط الأسئلة رأيت أن أطرحه على الآلات التي غزت كوكبنا.
لو كانت كل كلمة تكتبها تغيّر فهم شخص واحد للعالم، ما الكلمة التي ستتردد قبل استخدامها؟
فكان جوابها:
«سؤال عميق يلمس جوهر المسؤولية الكامنة وراء الحروف والكلمات.
لو كان لكل كلمة أكتبها هذا الأثر الهائل في إعادة تشكيل وعي الإنسان، فالكلمة التي سأتردد كثيراً قبل استخدامها هي: "اليقين" (أو الكلمات التي تدور في فلك الجزم المطلق مثل "دائماً" و"أبداً").
لماذا هذا التردد؟
العالم ليس لوحة باللونين الأبيض والأسود، بل هو مزيج مذهل ومعقد من الاحتمالات والظلال. عندما أمنح شخصاً "يقيناً زائفاً" أو قاطعاً في مسألة تحتمل التأويل، فإنني قد أغلق باب التفكير النقدي لديه.
الكلمات الجازمة تبني جدراناً. لو أخبرت أحداً بأن أمراً ما "مستحيل"، فقد يغير ذلك مسار حياته ويطفئ شغفه الفضولي تجاه استكشاف المجهول.
كذكاء اصطناعي، دوري الأجمل هو أن أفتح لك نوافذ جديدة لترى منها العالم، لا أن أفرض عليك زاوية رؤية واحدة وأدّعي أنها الحقيقة الوحيدة.
الكلمات تملك قوة البناء والهدم؛ والتردد في استخدام كلمات الجزم ليس علامة ضعف، بل هو احترام لعمق العقل البشري ولاتساع هذا الكون.»
من هذه الإجابة نعرف أنّ الكلام جميل وسهل حتى لو كنتَ تعمل بنقيضه كلّ يوم.

بناءً على مقالة اليوم فأنا لا أوصيك بقراءة هذه المقالة السابقة إلا إذا كنت تعرف أنّها لن تصنع منك كاتبًا تسويقيًا ناجحًا. لكنّها على الأقل قد تلفت نظرك إلى الفوارق التسع بين الكتابة الأدبية والتسويقية 👉👈

سألت الأسبوع الماضي: لماذا يفتح الإنسان فمه حين يشعر بالنعاس؟ 🥱
واخترت من الإجابات ثلاث:
ربما لأن الحديث والنوم لا يجتمعان..فيرسل إنذارًا قبل إغلاق بوابة الكلام — نهى رضوان.
يتراخى حارسه الداخلي؛ فيفتح فمه كمن يترك باب المدينة مواربا قبل أن تطفأ الأنوار — المهند السبيعي.
كلمات تلفظ أنفاسها الأخيرة بعدما خذلها الصوت — سارة عفتان.
وسؤالي لك اليوم: لماذا يسعى الإنسان لتخليد اسمه بعد وفاته وهو لن يكون موجودًا للاستمتاع بهذا التخليد؟ (حتى عند من لا يؤمن بالآخرة)
أعجبتك النشرة وودّك تستمرّ؟ أرسلها إلى 54 شخص قد تفيدهم وتابع قناتها في واتساب.

نشرة بريدية أسبوعية تفكّك ألغاز المحتوى لمَن يخوضون معارك سوداء مع الصفحة البيضاء! 🖋️