المكالمة الفائتة التي غيّرت مجرى حياتي 📱

أتساءل.. ماذا لو عشتُ حياة النسخة الأخرى (التي وصلتها مكالمة الشركة) وباشرت العمل؟ وماذا ستفعل نُسختي تلك الآن؟ هل ستبقى على قيد الحياة أو العمل؟ ما اسم نشرتها البريدية وكم يبلغ رصيدها البنكيّ؟

«عظيم يخرب بيتك» لم أجد أصدق من هذه الكلمات الثلاث تعبيرًا عن امتناني للذّكالي حين أنقذني بكودٍ برمجيّ سريع أنجزَ عنّي مهمّةً صغيرة كانت ستسرق نصف ساعةٍ من وقتي لكنّه أنجزها في ثانيتين وبدقّة مذهلة! وجدتُ أكثر ما يمكن أن يُعتمد فيه على الذكالي هو مهام البرمجة، وأوّل ما استُبدل من وظائف هو وظيفة المبرمجين. فشكرًا لهم أن صنعوا لنا آلات مؤمنة بأنّ الأقربين أولى بالمعروف. وصباح الخير.


ليش تركت الهندسة؟

هذا السؤال هو ثاني أصعب سؤال أواجهه بعد سؤال «كيف حالك». وبعيدًا عن أنّك لو كنت متابعًا قديمًا فستقول «أشغلت أمّنا»، وقبل أن أفصّل إجابتي عن السؤال، سأحكي لك عن الشرارة التي قدحت فكرة هذه المقالة في رأسي، والمكالمة الفائتة التي غيّرت مجرى حياتي!

قبل مدّة سمعت أحدهم يقتبس مقولة هيرب كيلهر «Hire for attitude, train for skills». رنّ جرس الذكريات في ذهني وعُدت إلى موقفٍ لا يُنسى. 

بعد تخرّجي من جامعة أمّ القرى ببضعة أشهر، وبعد أن وزّعت سيرتي الذاتية الباهتة على جميع موظفي الاستقبال وحرّاس الأمن في شركات المقاولات، وأرسلتها إلى مئات الإيميلات بعشوائية، وردني اتصال من مسؤول التوظيف بأحد المشاريع الكبرى آنذاك، أبلغني بوجود فرصة وظيفية محتملة، وحدّد لي موعدًا للمقابلة الوظيفية. 

هناك في وسط الصحراء المجاورة لبوابة مكة، وتحديدًا داخل أحد «البركسات». أُدخِلت على مهندسٍ أردنيّ أربعينيّ، يدخّن بشراهة وينظر بحدّة في مخططاتٍ أمامه. 

جلست أمامه فبدأ بسؤالي عن أبجديات العمل: تعرف تقرأ؟

أجبته بحماس: نعم أنا قارئ منذ الطفولة، بل أكتب وأحب الكتابة و...

قاطعني بعد شهقة نيكوتين: «بقولّك تعرف تقرأ هذي المخططات؟!»

اخترت أن أصمت وأتصدق على وجهه بابتسامة. لم يقبل الصدقة، ولم تختلف إجابتي كثيرًا في الأسئلة اللاحقة لكنه استمرّ بطرح الأسئلة، كأنّه كان ينتشي كلما ازداد يقينًا بجهلي! وكلّما تظاهرت بالمعرفة ورميت إجابةً من غير رامٍ، كان يأخذ «شفطةً» عميقة من سيجارته ويقول «اممممم عجيب» بتفاعلٍ وانسجام يتفوق على مستوى عبدالرحمن أبومالح مع ضيوفه.

في نهاية المقابلة سألني: عندك أسئلة؟ 

قلت نعم عندي سؤال واحد: «كم سؤال جاوبته صح؟»

ردّ: «ولا واحد».

هنا اقتربت منه اقتراب الناصح الأمين، وكتمت أنفاسي، وقلت: لن تجد عندي إجابات من النوع الذي تبحث عنه. فوجودي هنا ينطلق من مقولة سمعتها وآمنت بها: ‏«وظف بناءً على السلوك، ودرِّب على المهارات.» إنّ بحثي عن وظيفة ليس بحثًا عن المال بالدرجة الأولى، بل حرصًا على مستقبل المشاريع الإنشائية واستمرار البشرية. كلانا يعرف أنّ خطأ الطبيب يقتل إنسانًا واحدًا، وخطأ المهندس المدني يُطيح بمبنى فيقتل المئات لا قدّر الله!

غرّني إنصاته فأخذتُ السيجارة من يده وأطفأتها -أو هكذا تخيلت الموقف- ثم أكملت: يا بشمهندس. أنا كائنٌ حيّ، حديث التخرج، قليل العلم لا الأدب، عديم الخبرة لا الدِّبرة! أملك شخصيةً طموحة بعقليةٍ بنّاءة، سريعة التعلم، فائقة التكيّف، والأهم «مسؤولة». أما أسئلتك العميقة فستجد إجاباتها بسهولة عند أيّ مهندس يفوقني بعامٍ من الخبرة. وسأتفوق عليه بعد ستة أشهر من العمل معك! فالمهارات يمكن تعلُّمها وتطويرها بسهولة، أما السلوك القويم وطريقة التفكير السديدة فهي عملة نادرة تبحث عنها كبرى الشركات.

أنهى المقابلة بالكليشيه الشهير «بنتواصل معك إن شاء الله» وصافحني مشيرًا إلى اتجاه الباب. 

عُدت إلى البيت نادبًا حظي، نادمًا على الفلسفة في غير موضعها، ورويت لأمّي القصة مع تغيير بعض التفاصيل.

مرت أسابيع دون أن يتصل بي أحد. 

بادرت بالعودة إليه فاستقبلني بسؤالٍ واحد هذه المرة «تواصلوا معك؟» 

قلت: لا! ليش؟

قال: فور خروجك من مكتبي في ذلك اليوم، وجّهت بتوظيفك!

راجعت مكتب التوظيف المتنقِّل لأسأل عن السبب. فزعم المسؤول أنه اتصل بي مرارًا ولم أردّ، فانتقل للرّقم التالي!

كنت بين خيارين: تكذيبه وشتمه، أو التسليك على أمل أن يتصل بي في فرصةٍ قادمة. فاخترت التسليك بطبيعة الحال.

عُدت مهمومًا مغمومًا، كأن الدنيا أغلقت بابًا واسعًا من أبوابها في وجهي دون سببٍ واضح

منذ ذلك الحين وأنا أتساءل: ماذا لو وقّعت ذلك العقد ووقَعْت في تلك الوظيفة؟ 

ماذا لو أكملت حياتي بين الخرسانة والحديد والسجائر بدلًا من الفكرة والحرف والصيام المتقطّع؟

ماذا لو عشتُ حياة النسخة الأخرى (التي وصلتها مكالمة الشركة) وباشرت العمل في تلك الصحراء؟ وماذا ستفعل نُسختي تلك في يومي المفضّل (السبت)؟ هل ستبقى على قيد الحياة أو العمل؟ ما اسم نشرتها البريدية وكم يبلغ رصيدها البنكيّ وعدد أطفالها أو زوجاتها ومستوى رضاها؟ الله أعلم.

بالعودة إلى السؤال الأول في هذا النص «ليش تركت الهندسة» فالجواب الذي اكتشفته بعد اثني عشر عامًا من التخرّج، لا يتجاوز ثلاثة أحرف. إنّه القَدَر.


«لا تُفهَم الحياةُ إلا بالنظر إلى الوراء، لكنها لا تُعاش إلا بالمُضيّ إلى الأمام.» 

سورين كيركقارد


سألت بنت الآلة: لو رأى الإنسانُ حياته في الطريق الذي لم يسلكه، ماذا سيكتشف؟

فأجابت، سيكتشف ثلاث حقائق صادمة:

  1. أن المعاناة عادلة، لكنها تغير شكلها: سيكتشف أن ذلك الطريق البديل الذي ظنّه مفروشاً بالورود، كان مليئاً بحفرٍ من نوع آخر؛ فلو اختار الاستقرار لَعانى من الرتابة، ولو اختار المغامرة لَعانى من القلق. التكلفة الإنسانية مدفوعة في الحالتين.

  2. أن "الأشخاص" الذين افتقدهم كانوا عابرين أيضاً: سيكتشف أن العلاقات التي بكي على خسارتها، كان محكوماً عليها بالذبول في ذلك الطريق أيضاً، لأن نضجه الحالي هو الذي جعل تلك العلاقات تبدو جميلة في ذاكرته.

  3. الحقيقة الأجمل (والأقسى): سيكتشف أنه هو نفسه، بطبيعته وهشاشته ومخاوفه، كان سيصنع تقريباً نفس الأخطاء ونفس النجاحات.


هل الكاتب الجيد قارئ للكتب بالضرورة؟

أجبت عن هذا السؤال في «مذكرات قارئ تائب»، وعن طريقتي في القراءة بعيدًا عن الكتب.

سألت الأسبوع الماضي: لماذا نلوّح بيدنا حين نودِّع أو نُودَّع؟ 👋 

كانت إجاباتكم رائعة وأعجبتني كلّها. وأظنّ أن اليوم الذي ستتوقف فيه هذه النشرة هو اليوم الذي لا تعجبني فيه الإجابات. فشكرًا لكم، وعذرًا لأنّ المساحة لا تكفي لاختيار (كل) الإجابات. دونكم بعضها:

  1. لتحفظ أصابعنا ملامح من نحب – دانه حمدان.

  2. لأن اللسان يمر بمرحلة حداد صامتة، فتنوب اليد عن الحناجر المعطّلة – سارة آل غانم.

  3. حركة التلويح تشبه مسح شيءٍ ما، وكأننا نخفف وقع الفراق بمحو الحضور تدريجيًا بدل اقتلاعه دفعة واحدة – ديمة الحبيب.

  4. لأننا نستودع آخر انعكاسٍ لأنفسنا في عينيّ الآخر – رحيق كنجو.

وسؤالي لك هذه المرة: لماذا يفتح الإنسان فمه حين يشعر بالنعاس؟ 🥱


أعجبتك النشرة وودّك تستمرّ؟ أرسلها إلى 53 شخص قد تفيدهم وتابع قناتها في واتساب.

نشرة قوارش
نشرة قوارش
كلّ سبت

نشرة بريدية أسبوعية تفكّك ألغاز المحتوى لمَن يخوضون معارك سوداء مع الصفحة البيضاء! 🖋️