الرّغبات الكامنة وراء قراراتك!
لا يتعلّمها الطفل من أحد ولا تنطفئ عند الشيخ. لكنّها مسؤولة عن الغالبية الساحقة من قرارات الشراء على وجه الأرض.

مريحة جدًا، فكرة أنك ستموت وهناك وزن لم تصل إليه، ومنصب لم تحصل عليه، وقصر لم تشتريه. طموحات لم تبلغها، وعلاقات لم تصنعها أو تحافظ عليها، وأزواج وأموال وأولاد لم تُبتلى بهم… أوقف الركض وصباح الخير.

أحد أسباب تمسّكي بالعدد الأسبوعي من نشرة قوارش هو أنّه يجبرني على تعلّم المزيد. فحين لا أجد ما أقوله، ولا تجدون ما تسألون عنه، أبحث عن الأسئلة التي تقضّ مضاجعي، وأجد معلوماتٍ متناثرة، أصدّق بعضها وأكذّب أكثرها. أستوعبها وأعجنها مع ممارساتي المجرّبة في السوق، وأكتب عنها بمنطلقات إنسانيّة أنانية، لعلّها ترسخ في ذهني أولًا، وتفيد إنسان ثانيًا. 🤝
بعد بحثٍ مطوّل عن أسباب اتّخاذ الناس لقرارات الشراء، غُصت في محيطٍ لا ساحل له. وتوصّلت إلى صدمة أنّ لا أحدَ يُقنِع أحدًا، فالقرار يُتّخذ في رأس القارئ لأسبابه وعواطفه ورغباته التي وُلدت قبل أن يولد إعلانك الجميل. وكل ما يفعله الكاتب الجيد أن يقف في المكان الصحيح، في اللحظة الصحيحة، ويشير بإصبعه الصحيح نحو المنتج.
إذا كنت ستبيع (عطرًا بسعرٍ مخفّض)، فرغبة الناس في أن تبدو رائحتهم جميلة ونفّاذة بدأها إنسان الكهف حين كان يمضغ القرنفل، ويمسح ملابسه بالرّيحان والورد! حتى لو كانت هذه الافتراضات تخيّلية فهي منطقية. حدّدتُ ميزة السّعر المخفّض لأنّ رغبة الناس أيضًا في توفير أموالهم مغروسة في نفوسهم منذ الأزل. حين تخبرهم بأشياء تلامس هذه الرغبات وتظنّ أنّك ستقنعهم بمنتجك أنت تحديدًا، فهذه مشكلة.
يقول يوجين شوارتز في كتابه «الإعلان الخارق» ما معناه «كل ما على الكاتب أن يأخذ رغبةً حثيثة تجري في صدور الناس مثل نهر، ويحرّك مجراها درجة واحدة نحو منتجه.» هذا الكلام يريحك ويزعجك في آنٍ واحد. يريحك لأنه يرفع عنك حمل المستحيل، لستَ مُطالبًا بزرع رغبة في قلب أحد. ويزعجك لأنه يزيل عنك هالة الإبداع والسحر. عملك الدقيق هو اختيار الحلول المناسبة للرّغبات الكامنة، وإقناع الجمهور بأنّها «الأنسب». وهيهات!
طيب، إذا كانت الرغبات موجودة منذ الأزل. فما هي؟
يسمّيها الكفّار «قوى الحياة الثماني»:
البقاء والاستمتاع بالحياة.
الطعام والشراب.
الأمان من الخوف والألم.
الرفقة.
العيش المريح.
التفوّق والمكانة.
حماية من نحبّ.
القبول الاجتماعي.
هذه الرغبات وُلد البشر مفطورين عليها، لا يتعلّمها الطفل من أحد، ولا تنطفئ عند الشيخ. والأكيد أنّها مسؤولة عن الغالبية الساحقة من قرارات الشراء على وجه الأرض.
على سبيل المثال وتوضيح المقال:
شركات التأمين الصحي والمكمّلات الغذائية، تخاطب البقاء والاستمتاع بالحياة.
المنتجات عالية البروتين والفيتامينات، تخاطب حاجتك إلى الطعام والشراب (عالي القيمة).
وسائل السلامة التي تحيط بمقعد سيارتك، تخاطب رغبة الأمان من الخوف.
تطبيقات التوصيل بأنواعها، تخاطب رغبة العيش المريح.
تطبيقات الزواج والمواعدة تخاطب رغبة الرّفقة (وما يتبعها من ملذّات).
«البراندات» ودرجة رجال الأعمال، تخاطب رغبة التفوّق.
المدارس الأهليّة، تخاطب رغبة حماية من تحبّ.
منصات التواصل الاجتماعي، تلعب على رغبة القبول الاجتماعي… وهكذا
هذه الرّغبات مسؤولة عن معظم قرارات الشراء وليس كلّها، لأنّ جزءًا آخرَ من قرارات الشراء ينبع من رغباتٍ مكتسبة: المعرفة، الجودة، النظافة، الشراء الذكي. هذه رغبات حقيقية ومؤثرة، لكنها أضعف من الأولى. والإعلان البارع هو ما يلامس رغبةً فطرية، ويستخدم الرغبات المكتسبة كأدلّةٍ داعمة له.
وبالعودة لمثالنا الأكثر استهلاكًا وابتذالًا (العطر). ستجد أنّ الإعلان الذي يحاول بيع «الجودة العالية والسعر المنافس» يخاطب رغبةً مكتسبة فاترة، فيمرّ عليه الناس مرور الكرام. أما الإعلان الذي يحكي قصة رجل دخل إلى مجلس فالتفت له الناس وسألوه عن اسم عطره (أو لحقوا به إلى سيّارته وصوّروه، سبحان الله) يخاطب الرغبتين الأساسيّتين السادسة والثامنة معًا. حدّثني بعد ذلك عن فوائد الجودة والسعر وغيرها من المميزات.
وحتى أكون صادقًا معك، هذا الجواب لا يكفيني، يجول ببالي سؤالان ملحّان:
لماذا ينجح الإعلان ويفشل آخر في مخاطبة الرغبة نفسها؟ وكيف أجبر الجمهور على قرار الشراء؟
أتعمّق وأتأمّل فيهما أكثر، وأجيبك الأسبوع القادم إن شاء الله. (ما ورانا شيء).

«كلنا نخدع أنفسنا من وقت لآخر، كي تبقى أفكارنا ومعتقداتنا متسقة مع ما سبق أن فعلناه أو قررناه.»
روبرت تشالديني

سألتها بعد منتصف ليلةٍ ما: «إذا قلت لك لخّصي كل ما قرأتِه في جملة واحدة تفيد إنسانًا في الثلاثين فماذا ستقولين؟»
فأجابت: «لا تؤجل حياتك حتى تصبح جاهزًا؛ اختر ما يستحق، واترك ما لا يستحق، وابدأ قبل أن يصبح الوقت هو الشيء الوحيد الذي تملكه.»

في العدد الثامن من هذه النشرة شاركت تسع وصايا لكتابة نصوص ممتعة. وألّفتُ نظرية «رابح صقر».
هذه الوصايا تناسب أيّ أحد. فإذا كنت أحدًا اقرأها من هنا وشاركها من تحبّ.

سألت الأسبوع الماضي «لماذا يكذب الإنسان دون سائر الكائنات؟» فوصلتني إجاباتكم (الصادقة) واخترتُ منها:
لأن الإنسان أناني وخوّاف ومتلاعب بشكل يفوق سائر الكائنات، الكذب هو وسيلة نجاته – ديمة الحبيب
لان الكائنات الاخرى لا تعرف الكذب – نجوى
يظن الإنسان أن الكذب هو وسيلة النجاة التي لا يملكها غيره من الكائنات، فذئب يوسف لم يكذب إنما كذب أخوته – منار عوض
الكائن يواجه الواقع، الإنسان يفضّل اختراعه – غالية فهد
لأنه «كان ظلومًا جهولا» – هشام رسلان
أمّا سؤالي لك اليوم، فلماذا يربكنا الصمت في وسط الحوارات؟
أعجبتك النشرة وودّك تستمرّ؟ أرسلها إلى 58 شخصًا قد تفيدهم، وتابع قناتها في واتساب.

نشرة بريدية أسبوعية تفكّك ألغاز المحتوى لمَن يخوضون معارك سوداء مع الصفحة البيضاء! 🖋️