لماذا غاب الصوت المتفرّد للعلامة التجارية؟
لهذه الأسباب الأربعة، أصبح مستحيلًا أن تقرأ المحتوى بدون شعار الجهة فتعرف أنّه محتواها!

في الثلاثين من شهر ديسمبر 2021 كانت مقابلتي الوظيفية مع العزيز عبدالرحمن أبومالح، بعد انتهاء شهر من العمل المستقلّ لصالح حساب ثمانية في تويتر آنذاك. بادرني بسؤال لا أتذكره، لكنّي أتذكّر إجابتي لأنّها كانت غريبة، إذ لا تمتّ لإجابات المقابلات الوظيفية المعتادة بصلة. ولم أكن على علم بأنّها مقابلة عمل! بل دُعيت إلى جلسة تعارف ودردشة بسيطة. وإجابتي الغريبة كانت «أهمّ شيء عندي أنّ الجهة اللي أكتب باسمها تعرف أيش تبغى!» هذه الإجابة جاءت تنفيسًا عن معاناة طويلة مع جهات متعددة تريدك أن تسلك طريقًا غير موجود على الخارطة، أو تكتب بصوت هي نفسها لا تستطيع وصفه أو تحديد معالمه أو دوافعه.
موضوع صوت العلامة -تجاريةً كانت أو غير تجارية- حسّاس وشائك وعميق، ولا تستطيع مقالتي إلا الإجابة عن أهم أسئلته: لماذا أصبحت الأصوات متشابهة؟ والنّبرات متقاربة؟ لماذا غاب الصوت المتفرّد للعلامة التجارية؟ وأصبح الوصف الشهير «أن تقرأ نصّ المحتوى بدون شعار الجهة فتعرف أنّه لها» ضربًا من الخيال.
جرّب اليوم أن تنسخ نصوص إعلانات بنكَين سعوديّين أو تطبيقَي توصيل بالسعودية بعد تجريدها من هوّياتها البصرية، هل ستميّز علامةً من خلال محتواها؟ الإجابة معروفة ومجرّبة.
قبل سرد الأسباب علينا الاعتراف بأنّ معظم العاملين في السوق لا يفرّقون بين صوت العلامة ونبرة العلامة، الصوت ثابت تحدّده عوامل مثل نشاط العلامة ورؤيتها ورسالتها وقيمها واستراتيجيّتها التسويقية وشخصية مؤسِّسها (وإن أنكر ذلك). أمّا النبرة فهي الطريقة التي يُجسِّد بها كاتب المحتوى صوت العلامة في المواقف المختلفة.
أما إجابة سؤال لماذا تشابهَ البقر علينا؟ فربّما لأربعة أسباب
أولًا: غياب المعطيات
كم مرّة تغنّينا بالتفاصيل في هذه النشرة وأقسمنا بأنّها «أجمل بكثير»؟
هل تسأل الجهة نفسها صباحًا ومساءً: من نحن وماذا نفعل وماذا نريد؟ وتقدّم للجميع إجابة واضحة شافية؟ حين يجهل فريق التسويق داخليًا كان أم خارجيًا رؤية الجهة وأهدافها الخفيّة قبل المعلنة، ولا يشارك في خططها التواصلية والبيعية، ويخجل من طرح أهم الأسئلة وأكثرها جرأةً وحرجًا على المؤسّسين ومن في حكمهم، وبالتالي لا يقتنع بشخصية الجهة ويعجز عن تبنّيها لإنتاج محتوى متفرّد الصوت… فلا فائدة من كلّ ما سبق وكلّ ما هو آت.
ثانيًا: غياب الدّليل البشري والمكتوب
لم أتهكم حين قلت أعلاه (شخصية مؤسِّسها)، فنظرة المؤسس للوضع الذي يجب أن تكون عليه شركته تتسرّب من عقله إلى التنفيذيّين ومنهم إلى مديري الأقسام ثم إلى الموظّفين. وكاتب محتوى واحد (فنّان) أقدَر على تقمّص صوت العلامة من أعضاء مجلس الإدارة مجتمعين، وكاتب المحتوى الفنّان هذا قد يسرّب جزءًا خفيًّا من شخصيته في نصوصه المكتوبة باسم العلامة دون أن يكشفه أحد، إلى أن يصبح مرجعًا في الكتابة بصوت العلامة ونبرتها. وما إن يرحل هذا الكاتب حتى يتغيّر الأسلوب وينكشف الخلل، خصوصًا إن لم يوثّق العمل في دليلٍ مكتوب متّفق عليه بين اثنين من المُجازين في الكتابة بصوت العلامة (دون اعتماد من مدير كبير) وهذا ينقلنا إلى السبب الثالث.
ثالثًا: وجود الاعتمادات
كنت سأقول كثرة الاعتمادات لكن مشكلتنا معها وجودية. وجود سلسلة من الاعتمادات على منشورات تواصلية أو إعلانية يومية ينبئ بخلل في آلية عمل الجهة أو نقص في ثقتها بكوادرها، مما يجعل المعايير هُلاميةً ومزاجية، ويؤدي إلى إنتاج نصوص باهتة مائعة، يعتاد الكاتب فيها السير «جنب الحيط» ويصاب بفوبيا «الهشتقة» ويتقيّد بكلّ المعايير اللغوية والقانونية والاجتماعية التي تجعل نسبة الخطأ صفرًا، ونسبة الإبداع كذلك. ومبروك عليك يا مدير، فشل المحتوى، لكنّه معتمد!
رابعًا: التقليد الأعور
ينجح حساب «برجر كنج السعودية» في خطف التفاعل من تايم لاين تويتر عام 2018 لخفّة دمّ مسؤول الحساب وسرعة بديهته بمعايير ذلك الوقت، فيصبح الحساب مرجعًا لمصنع الأكواب الورقية الذي يريد أن يحظى ببعض القبول والتفاعل (العضوي) فلا يجني إلا «الضّعوي». هذه الحالة تتكرّر حتى يومنا هذا باختلاف الجهات ومجالاتها. سمّيت التقليد هنا أعورًا لأنّه مجرّد نسْخ لعامل نجاحٍ واحد مع إغفال جميع العوامل الأخرى. يحدث في استنساخ أساليب العلامات التجارية (بحُجة أخذها كمرجع) ويمتد إلى شعاراتها وحتى ديكوراتها.
هذه الأسباب الأربعة كما رأيتُها من منظوري الوحيد القاصر، إن وجدتَ أسبابًا أخرى مهمة فأرجو أن تكتب عنها في حسابك على منصّتك المفضّلة وتُشير إلى مقالتي هذه ليعمّ النفع ونُشعل شمعة. 🧨

«صوتُ العلامة المميَّز، الذي يُعرَف ويُتعرَّف على صاحبه، قد يصنع تسويقَها أو يهدمه.»
آن هاندلي

من أشدّ ابتلاءاتنا مع مستخدمي الغباء الاصطناعي هو المواقف المصطنعة (التي تحاكي الواقع) وهدفها كسب تفاعل باستعطاف أو استفزاز المشاعر أيًا كان نوعها. منها هذه المحادثة المصطنعة التي نسي صانعها حذف كلمة «الصديق الثاني» من السيناريو المنسوخ. 🤖
شاركني منشورًا من صنع الغباء الاصطناعي
من هنا 🔗
خيالنا كسول، ينسخ الصورة الأكثر شيوعًا لا الأكثر صدقًا. وعقولنا تعمل دائمًا في وضع حفظ الطاقة، فتركن إلى القوالب الجاهزة وتخاف من التجارب الحيّة والخيالات الحُرّة! ولهذا، لو دقّقت في مُعظم الأعمال المواكبة لليوم الوطني خلال السنوات الماضية، لاستطعت ببساطة اكتشاف مقادير الخلطة السرية لإعلانات اليوم الوطني.
أعجبتك النشرة وودّك تستمرّ؟ أرسلها إلى 66 شخصًا قد تفيدهم، وتابع قناتها في واتساب.

نشرة بريدية أسبوعية تفكّك ألغاز المحتوى لمَن يخوضون معارك سوداء مع الصفحة البيضاء! 🖋️