ماذا أكتب؟ — تسع وصايا للنزول إلى العمق 🕳️
حان الوقت لأتخلّى عن ارتباطي الوثيق بسؤال «لماذا» بحذف اللام فقط، ومحاولة الإجابة عن سؤال «ماذا أكتب؟»

لو لم يكن اسم نشرتي «قوارش» لكانت #نشرة_لماذا. ولا تسألني لماذا. صباح الخير.

في الجزء الأول من هذه المقالة عرفنا سبب سخرية الناس -أو تظاهرهم بالسخرية- من المحتوى العميق. وقلنا إنّ سؤال «لماذا» المكرّر خمس مرّات يوصلك إلى عُمقٍ ما. لكن هناك خطوات أخرى لا بدّ من معرفتها. اليوم حان الوقت لأتخلّى عن ارتباطي الوثيق بسؤال «لماذا» بحذف اللام فقط، ومحاولة الإجابة عن سؤال «ماذا أكتب؟»، وكيف أكتب نصًا عميقًا بتسع خطوات مختلفة ومتكاملة.
الأولى: اكتب عن الظلّ.
لكل موضوع ظلٌّ يمشي خلفه وقلّة قليلة ينتبهون إليه. حين يكتب الناس عن النجاح اكتب عن الخوف الذي يسبقه، والشعور بالاحتيال الذي يرافقه، وحين يكتبون عن الحب اكتب عن الكمال الذي يتطلّبه، والوحدة التي تعقبه. الظل غالبًا أعمق.
الثانية: مشاعرك أعمق من آرائك
معظم الكتّاب يستعرضون آراءهم ويكتبونها. تتشابه الآراء كثيرًا، لكن الشعور الخام يجعلك مكشوفًا، متعرّيًا، صادقًا، والناس يحبّون التّعرّي عمومًا، ويحبّون الصدق حين يشعرون به، ويحبّون الكذب حين لا يعلمون أنّه كذب.
الثالثة: طبّق القاعدة الشهيرة «أرني ولا تخبرني»
العمق إحساس. حين يقول الكاتب «شعر فلان بالحزن»، يعطي القارئ خبرًا. وحين يقول «نسيَ أن يطفئ سيجارته فاحترق ثوبه» يسمح له أن يفسّر الحدث ويأوّل النّص بالطريقة التي تناسبه، وكأنّه يعيد كتابته.
الرابعة: تحدّث عن الحقيقة التي يعرفها الجميع ولا يقولها الجميع.
في كلّ مجال، هناك حقيقةٌ صامتة. الكل يعرفها، والكل يتظاهر بأنّه لا يعرفها. حين تكتبها بصوت عالٍ، يَشعر القارئ أنّك اقتحمت رأسه وكشفت سرّه، فينساق لنصّك.
الخامسة: بالغ في ربط الأشياء ببعضها.
العلوم والفنون متداخلة. والعمق -أحيانًا- مسافة يظنّها الناس بعيدة ومهمتك إثبات أنّها قصيرة. الهندسة والكتابة؟ الأدب والتسويق؟ ووجه الشبه بين أشياء وأشياء لا يمكن أن تجتمع معها؟ الربط يتطلّب النزول للعمق، لكن بشرط أن يكون الربط حقيقيًا، لا متكلّفًا.
السادسة: قل الكثير في القليل.
جوّع اللفظ وأشبِع المعنى. طبِّق قاعدتي المفضّلة «ما يُمكن حذْفه يجب حذْفه»، وتذكّر أنّ تبسيط المعقّد أصعب بكثير من تعقيد المبسّط. العمق لا يعني التعقيد، والكاتب المسطّح يملأ الصفحة ليبدو عميقًا. والعميق يحذف حتى يبقى ما لا يُحذف.
السابعة: اكتب ما تخاف أن تكتبه.
ثمة فكرة تدور في رأسك الآن، تتردّد في كتابتها. تلك الجملة بالذات عليك أن تكتبتها. فما نخاف قوله غالبًا هو الأصدق والأعمق. الكتابة الجبانة سطحية بالضرورة، لأنّها تختار المسار الآمن. والآمن مطروقٌ قبلك ألف مرّة.
الثامنة: اهتمّ بالسؤال أكثر من الجواب.
لا تُغلق الباب وتظنّ أنّ مهمتك إيجاد جوابٍ لكل سؤال. قد يكون أعمق ما تفعله أن تترك القارئ واقفًا أمام سؤالك. النصّ الذي يُجيب عن كلّ شيء يُنسى بمجرّد قراءته، والنصّ الذي يفتح سؤالًا، يعيش مع القارئ يومه أو عامه أو عُمره!
التاسعة: ثق بذكاء قارئك.
أليس أكبر خطأ أن تشرح النكتة لشخص لم تُضحكه؟ بالمثل فإنّ أكبر خطأ أن تشرح ما وراء النّص لشخصٍ لم يره. القارئ وحتى المُشاهد لا يريدك أن تُلقِمه المعاني والأفكار، بل يريد أن يصل إليها بنفسه، أن يشعر بذكائه وقدرته على الفهم والوصول إلى قاع المعنى وبطن الشاعر والكاتب والمُخرج. والله أعلم.

«اكتُب بصدق، والباقي تفاصيل.»
إرنست همنغواي

سألتُ الآلة: ما الشيء الذي يفعله كلّ كاتب عظيم، ولا يستطيع أن يعلّمه لأحد؟
فأجابت: «أن يرى ما يراه الجميع… ثم يلاحظ ما لم يلاحظه أحد.»

لا مفرّ من أن أجعل الإحالة الأولى في هذه الفقرة للعدد الأول من النشرة، فهو أكثر عدد لم يُقرأ بما يكفي حتى الآن. كيف تحوّل عبارة يومية إلى عنوانٍ إبداعي؟🔗

سألنا المرة الماضية: لماذا يحسد الإنسان؟ وأعجبني من الإجابات خمس:
لأن المقارنة أسرع من الامتنان! — عاصم محمد
لو حاولنا نجاوب بعمق وباستخدام التكنيك الخماسي الابعاد، نستطيع القول أن سبب الحسد هو عدم ادراك الجوهر. —عمار حجازي
لأنه يرى تميز الآخرين تذكيراً بفشله — نواف خالد
لضعف نفسه وانعدام صبره ووعيه بقسمة الأرزاق، وانجذابا لنزعة الحسد الموروثة من أخيه قابيل أول مرتكب لخطيئة الحسد في التاريخ! — ريم عبدالله
لـتسكين ألمه وعجزه في عمله — عمران صالح
وسؤال هذا الأسبوع: لماذا يضرب الناس يدهم ببعضها تعبيرًا عن تحية؟ 👏
أعجبتك النشرة وودّك تستمرّ؟ أرسلها إلى 51 شخص قد تفيدهم وتابع قناتها في واتساب.

نشرة بريدية أسبوعية تفكّك ألغاز المحتوى لمَن يخوضون معارك سوداء مع الصفحة البيضاء! 🖋️