لماذا نسخر من المحتوى العميق؟ 🤿

يخوض المحتوى العميق معركته ضدّ «التظاهر بالعمق» بدلًا من خوضها ضدّ «الابتذال».

#اعتراف. ندمت على مقالة الأسبوع الماضي، وأثناء كتابتها كنت أدري أنّي سأندم على هذا التعرّي. لكنّي تعاطفت نسبيًا مع كلّ شخص يتعرّى لأجل المتابعين. الحقيقة أنّ هذا النوع من المقالات ألجأ إليه حين تنفد أفكاري، فأحوّل هواجسي إلى محتوى، وعلى الرغم من أنّي لا أستمتع بكتابته لكنّكم تستمتعون بقراءته، فتبًا لكم، وسبحان من لا تنفد كلماته. وصباح الخير.


ما هو شعورك لو قلت لك: فلان أنت إنسان عميق. إن لم يكن الارتباك والضيق فغالبًا لن يكون الفخر أو الفرح.

طيب. هَب أنّك استهلكت محتوًى وأعجبك، سواءً كان فلمًا سينمائيًا أو نشرةً بريدية أو مقطعًا يوتيوبيًا… كيف ستصف هذا المحتوى في كلمة إعجابٍ واحدة؟

وجدتُ معظم الناس يختارون وصف مميز أو رائع أو عجيب أو مختلف أو إنترستنق، ويتجنّبون الاعتراف بأنّ المحتوى الذي يعجبهم عميق. 

قبل هذا، ما هو المحتوى العميق؟

ليس الغامض ولا المعقّد ولا الفلسفي بالضرورة، بل ذلك المحتوى الذي يضيء في عقلك مصباحًا لم تُدرك وجوده! ويفتح في ذهنك نافذةً للتأمّل والبحث، أو طرح تساؤلات لم تخطر ببالك من قبل، أو الإقدام على فعلٍ لطالما سوّفته. هو الفلم الذي تخرج منه بحلّ لمشكلةٍ كبرى في علاقتك بأبيك أو زوجك، أو  تكتشف فيه حقيقتك، أو تتراجع عن فكرة تعليق رأسك. هي المقالة التي تقرأها فتشعر برغبة في الهجرة، أو البودكاست الذي تسمعه ثم تقبّل رأس مديرك أو ترسل له استقالتك مع إصبعك.

هذا التأثير قد تعترف به وتستمتع به إن كنت إنسانًا مشغولًا بفهم الحياة ومُستعدًا لدفع ضريبة هذا الفهم. وقد تُنكره وتسخر منه إن كنتَ ساذجًا، أو كنت حكيمًا بما يكفي لإدراك أنّ فهم الحياة ليس غاية.

كيف أصبح العُمق تهمة؟

مع كثرة المتباهين بالعمق، صارت «عميق» في أذن السامع تعني: متباهٍ، متفاخر، متذاكٍ، يفترض أنّه يفهم ما لا يفهمه الآخرون. وبهذا يخوض المحتوى العميق معركته ضدّ «التظاهر بالعمق» بدلًا من خوضها ضدّ «الابتذال».

لماذا نسخر من المحتوى العميق؟

للتظاهر بالحكمة! وتجاهل الرغبة الملحّة في فهم هذا العالم وإضاءة مناطق جديدة غير مريحة في العقل. ناهيك عن أنّ العمق تحوّل إلى تُهمة فهرب منه الجميع، حتى العميقون الذين لا يعرفون أنّهم عميقون. تُهمة تشبه تهمة المثقف أو العالِم أو الحسّاس. إضافةً إلى كون العمق اعترافٌ بالنزول، والبشر يعشقون التظاهر بالرّقيّ والارتقاء، ويظنّون أنّ الاستخدام الصحيح لسُّلّم الحياة لا يكون إلا للصعود! 

الآن قد تتساءل، بعد أن قرأت مقالتك «العميقة» يا نوّاف وتغيّرت نظرتي للعمق، كيف أصل إلى صناعة محتوى عميق؟ سأجيبك: لا أعلم. (حتى لا أبدو عميقًا طبعًا).

إلا أنّ كلمةً واحدة مجرّبة قد توصلك إلى محتوى أعمق كلما كرّرتها، ويقال إنّها طريقة تويوتا في تحليل الأعطال. خُذ أيّ ملاحظة سطحية، واسأل خلفها «لماذا؟» خمس مرّات. 

لنأخذ مثالًا سريعًا، القهوة التي نحبّ:

  1. لماذا يحبّ الناس القهوة؟

لأنّها تنبّههم وتشعرهم بنشوة.

  1. لماذا يحتاجون إلى التنبيه؟

لأنّ صباحاتهم ثقيلة.

  1. لماذا أصبحت ثقيلة؟

لأنّ نومهم لم يرحهم.

  1. لماذا لا يرتاحون في نومهم؟

لأنّهم يحملون الماضي إلى السرير.

  1. لماذا يحملون همومهم إلى السرير؟

لأنّهم عاجزون عن إغلاق أبواب أيّامهم.

الآن جرّب أن تُجيب عن السؤال الأوّل بإجابة السؤال الخامس، ستكون إجابتك عميقة لا شك، وربما تظهر في التلفزيون. اسأل «لماذا» وكرّرها خمس مرّات على الأقل، ثم استعدّ للعمق والأرق والقلق وسخرية الأصدقاء الأوغاد.


«لا أعرف من اكتشف الماء، لكنّي على يقين أنّه لم يكن سمكة.»

مارشان مكلوهان


سألتُ الآلة: ما الشيء الذي يندم عليه الناس وهم يموتون؟

فأجابت: «حين يكتشفون أنّ مَن أرضوهم لن يموتوا معهم.»


سألتكم الأسبوع الماضي، لماذا يظن الإنسان أن النسخة القادمة منه ستكون أفضل؟ 

ورأيت إجاباتكم هذه تستحق الظهور:

  1. لأنه يعامل نفسه ككتاب — دانه حمدان.

  2. لأن نسخته الآن أفضل من نسخته السابقة — بيان الريشي.

  3. لأنه لم يتعرف عليها بعد — خلود بادحمان.

  4. لأن في "الغيب" دومًا قداسة ما — عاصم محمد.

  5. لأن الإنسان لا يريد أن يكون ماضيه حكمًا نهائيًا عليه؛ فيخترع من الغد محكمةً أكثر رحمة، ومن نسخته القادمة شهادةً تؤجل الإدانة — هبة عادل.

  6. لأن الحماقة عندما تجتمع بالمجهول ينتج عنها أملًا يجعلنا نصدق أن كل شيء ممكن — مروة تركي.

  7. ما يحركك ليس ما أنت عليه، بل ما تتطلع أن تكونه — لطيفه محمد.

  8. يحسن الظن بالله — أحمد مصطفى.

أما سؤال الأسبوع القادم فلماذا يحسد الإنسان؟ 🔗

أجيبوا عليه واكتبوا لي أسئلتكم في الرابط نفسه لعلّي أجيب عليه في العدد القادم إن كنتُ أعلم والله أعلم.


أعجبتك النشرة وودّك تستمرّ؟ أرسلها إلى 49 شخص قد تفيدهم وتابع قناتها في واتساب.

المحتوى العربيالفلسفةالغوص
نشرة قوارش
نشرة قوارش
كلّ سبت

نشرة بريدية أسبوعية تفكّك ألغاز المحتوى لمَن يخوضون معارك سوداء مع الصفحة البيضاء! 🖋️