كيف تعرف أنّ نصّك ركيك - في خمسة أسئلة
خمسة أسئلة أطرحها على نفسي كلّ مرة لعلّي أسلم من الرّكاكة.

يوصف بالركاكة الشيء الضعيف، يُقال ثوبٌ ركيك إذا رقّ نسجه وضعُف، ورجل ركيك إذا ضعُف رأيه. والكلام الركيك -اصطلاحًا- هو الضعيف في بنائه المختلّ في نسجه، إن سلم معناه تهاوت تراكيبه. أما الكلام الجزل فما قويت ألفاظه وتماسك نسجه، فلا تجد فيه كلمةً دخيلة على العربية ولا حشوًا فارغ المعنى.
أقول هذا إجابةً على سؤال ورد إلى النشرة من عهد قالت فيه: «عندما قرأت جملة الصياغات الركيكة في نشرة هذا الأسبوع، تساءلت: كيف تحكم على صياغة جملة إذا كانت ركيكة أم لا؟ عندما نكتب تتصادم الجمل سويًا وتُنتج صياغات مختلفة قد تبدو غير مرتبة أحيانًا أو بها نواقص، ولكنها نوع ما تُعبر عن الفكرة التي نريد إيصالها للمتلقي. ولكن في وجهة نظرك إذا سنخترع check box حالًا للحكم على أي قطعة محتوى، ما الذي ستضيفه لهذه القائمة؟»
فكّرت في قائمة الفحص الذاتيّة التي إن اجتازها نصّي عددتُه متماسكًا أو على الأقل بريئًا من الركاكة ومستحقًّا للنشر، حتى لو تأخّر عن موعده الصباحي! فوجدتها لا تخرج عن خمسة أسئلة:
✅ هل عندي شيء أقوله أصلًا؟ أم أنا أحاول أن أقول ما يُتوقّع منّي قوله؟ مثل أن يسألني أحد عن رأيي في الذكاء الاصطناعي فأقول إنّه «سلاح ذو حدّين» أو أُسأل عن الريلز والتك توك فأتحدث عن التعفّن الدماغي الذي لم يبقَ أحدٌ إلا تحدّث عنه. وهذا المعيار لا علاقة مباشرة له بالصياغة والرّكاكة، لكنّي أذكّر نفسي بأنّ «الصمت أفضلُ ما يُطوى عليه فمُ» إن لم أجد إضافة نافعة لما قيل واستُهلِك.
✅ هل نصّي سليم نحويًا وإملائيًا؟ ومع بداهة هذا المعيار، نتهاون فيه أحيانًا فتخسر نصوصنا معركة الانطباع الأوّل بخطأ بسيط. بل ويمتدّ تأثير هذه الأخطاء إلى المعاني، إذ لم توضع قواعد الإملاء والنحو إلا لتسهيل وتوضيح مقاصد الجُمل.
✅ هل اخترت كلّ كلمة عن قصدٍ لمعناها وإدراك أم لأنها تأتي عادةً بعد التي قبلها (وهذا منطق الآلات التي تبني نصوصها على الاحتمالات دون وعي)؟ في مكالمة طويلة مع صديق سألني -وأنا أقود سيارتي- عن ميزة واحدة أعتقد أنّ كاتب المحتوى البارع يمتاز بها اليوم عن الذكالي البارع! فقلت له باختصار «أن الكاتب قادر على مخالفة التوقّعات ومناقضة قوانين الاحتمالات بطريقة صحيحة، أعطيك مثال؟» عرضت عليه التوضيح بمثال وأنا لا أعلم ما المثال الذي سأبرّر به حُكمي، لكنّي قرأت في لوحة على الطريق كلمة «مكة المكرمة» فأكملت «مثلًا، يستطيع كاتب المحتوى البارع أن يقترح على أمانة (العاصمة المقدّسة) استخدام مسمّى مكة المعظّمة بدلًا من المكرّمة، بعد أن يبحث عن سبب تسميتها بالمكرّمة فلا يجده مرتبطًا بثوابت دينية أو تاريخية، ولن يستطيع الذكالي اقتراحًا مثل هذا ولا الحكم بأنّه تعبير مناسب ولافت ومؤثر في استخداماتٍ دون أخرى.» ولا شكّ أنّ النصوص التي تخالف التوقعات باتّزان وحنكة بعيدة عن الركاكة.
✅ هل أعبّر بالعربية الفصحى أم أترجم الإنقليزية بحروف عربية (أو ما يُسمى بالعرنجية)؟ أزعم أنّ العرنجيّة من أقوى علامات الركاكة وأكثرها شيوعًا. وأكثر ما تتسرّب إلينا العرنجية منه ترجمات الروايات والأفلام، ودبلجات مسلسلات الأطفال التي تشرّبناها في الصغر. لن أتوسّع في الحديث عن ضرر العرنجية فهو يستحق مقالة كاملة جزلة من أهل الاختصاص، وقد فعلها عبدالله حمدان وأمجاد عودة في مقالتهما الخالدة هنا والمقالة التي تلتها هنا.
✅ هل أعدتُ قراءة النّص وهذّبته بعد أن غبت عنه لساعات أو أيام؟ إن قارنتَ بين المسوّدة الأولى (ما نقلته من عقلك إلى الصفحة) والمسوّدة الثانية (ما ستنقله هذه الصفحة إلى القارئ) وما يتلوها من مسوّدات ستدرك أنّ الكتابة الجيدة هي إعادة كتابة جيّدة.

«اللفظ جسم، وروحه المعنى، وارتباطه به كارتباط الروح بالجسم، يضعف بضعفه ويقوى بقوته.»
ابن رشيق القيرواني

توجد ثلاثة طرق (صعبة) لتكون الكاتب المتميّز في سوق الأعمال العادية. لخّصتها لك في مقالة «اخرج في موعد مع الكتابة» 💘
أعجبتك النشرة وودّك تستمرّ؟ أرسلها إلى 68 شخصًا قد تفيدهم، وتابع قناتها في واتساب.

نشرة بريدية أسبوعية تفكّك ألغاز المحتوى لمَن يخوضون معارك سوداء مع الصفحة البيضاء! 🖋️