عن سحر المحتوى «السهل الممتنع» ولعنته!

لماذا لم يستطع محمد عبده أن يتجاوز «الأماكن»؟ ولم يأتِ طلال بأفضل من «مقادير»؟ والمزيد...

لو سألت معظم النّاس هل تفضّل المصارحة أم المجاملة؟ لأجابك «المصارحة»، من باب المجاملة! 

قِس على ذلك… وصباح الخير.


لماذا لم يشِع من شعر جاسم الصحيح نصٌّ أكثر شيوعًا من بيت القصيد هذا «كلّ النساء أحاديثٌ بلا سندٍ *** وأنتِ أنتِ حديثٌ لابن عبّاسِ» ومن شعر أحمد بخيت «أعيشُ بقلب صدّيقٍ وإن حسبوه زنديقا *** وحين أحبّ سيّدةً أحوِّلُها لموسيقى»؟ لماذا لم ولن يحبّ النّاس من قصائد محمد عبدالباري نصًّا أكثر من «ما لم تقُله زرقاء اليمامة»؟ 

في عالم الغناء نجد السؤال نفسه، لماذا لم يستطع محمد عبده أن يتجاوز «الأماكن»؟ ولم يأتِ طلال بأفضل من «مقادير»؟ 

حتى على مستوى الفنّ في العالم، يعرف الناس لوحة «الصرخة» أكثر ممّا يعرفون مونك و1700 لوحة أخرى لم تكن إلا محاولات سابقة أو لاحقة للوحته الأيقونية.

أدري أنّ المحنّكين يرون هذه الافتراضات افتراءات، وأنّ هذه ليست أفضل أعمالهم، بل أشهرها فقط! وأنّك لو فتّشت في دواوين أولئك الشعراء لوجدت من الكنوز ما يغفل عنه الناس لجهلهم بالشّعر جيِّده ورديئه، ولو سألت سمّيعة محمد عبده وطلال لأخبروك عن أيقونات غنائية خالدة تفوق ما ذُكر قيمةً وفنًّا وإبداعًا. وقد أتفق معهم، إذ كيف يجرؤ أحدٌ أن يغنّي جملةً ركيكة وغير مفهومة مثل «بس لكن ما لقيتك» فنصفّق له ونبكي معه؟ لكن هذا كلّه لا يهمّني. 

ما يشغل بالي كيف وقف هؤلاء المبدعون عاجزين أمام عملٍ واحد؟ كيف رضوا بأن يختزلهم ويبتلع تاريخهم؟

ستجد أنهم لم يتنبّؤوا بإبداعهم ولم يتوقّعوا نجاحه الاستثنائي أصلًا، حالهم كحال ياسر الحزيمي وهو يشاهد حلقته (المليئة بالأفكار التي تبدو بديهية بعد أن تُقال) تقترب من مئتَي مليون مشاهدة يوتيوبية وتُسجّل في التاريخ، والشيء الوحيد الذي يعرفه عنها أنّه لن يستطيع تكرارها، رغِب في ذلك أم لم يرغب، بورق أو بدون ورق.  

ربّما سرّ هذه الأيقونات باختلاف جذورها وفروعها أنّها صالحة للاستخدام اليومي! يحبّ الناس الشّعر القادر على العيش خارج القصيدة، في رسالة حميمية أو تجربة إلقاءٍ صوتيّ أو حالة واتساب أو «بايو». ويميلون إلى المحتوى الذي يلمس إحساسًا يشعرون به ولم يجدوا من يصفه بدقّة نيابةً عنهم، وكذلك الحال مع بقية الأعمال.

ومثلما يجلب المالُ المالَ، تجلب الشهرةُ الشهرة! قد ينتشر نوع من المحتوى لأسباب الجودة والإتقان والبراعة، إلّا أنّ هناك حدًّا إذا وصله الانتشار أصبح كالفيروس الذي ينتقل بالعدوى ويتبنّاه الآخرون رغمًا عنهم، حتى الدخلاء على الفنّ والثقافة والمعرفة.

ثم إنّ تلك الأيقونات سهلة ممتنعة. السهل الممتنع هو محبوب الجماهير الأوّل على مرّ التاريخ، هو العمل الفنّي المكتمل الأركان، الذي يُجيزه النّقاد ويعجِب الهواة ويلامس الجميع، ويبتعد عن فخّ الابتذال والسطحية المرافق للسهولة، بقدر ما يبتعد عن فخ التعقيد والإبهام المرافق للنّخبوية. يحبّ الناس المحتوى السهل الذي يفهمونه ويستسيغونه لكن يستحيل أن يبدعوا مثله! وسيحبون أفكارك ونصوصك وإنتاجاتك الإبداعية حين تشبه ما يجول بخاطرهم، مع التسليم بعجزهم عن تقليدها.

أنا وأنت عزيزي القارئ لم نصل لأيقوناتنا الإبداعية الخالدة بعد، وهذه نعمة عظيمة وجديرة بالشكر، فالسؤال المؤرّق «ما الذي ستفعله بقية حياتك؟» ضريبة قاسية جدًا لدخولك التاريخ وأنت على قيد الحياة.


«البليغ من إذا سمع كلامَه الجاهلُ ظنّ أنّه يُحسن مثله.»

ابن المقفّع


أفضل إجابات الآلة في ظنّي هي ما يعتمد على البيانات وتحليلها، لذلك سألتها اليوم: 

ما أكثر كذبة تتكرّر في رسائل الناس إلى بعضهم مؤخّرًا؟ 

فأجابت: 

"في طريقي" أو "بعد شوي أطلع" وهو أصلاً ما تحرّك من مكانه. بعدها بالترتيب: "ما شفت رسالتك" (وهو شافها وقرأها مرتين)، و"إن شاء الله" اللي معناها الحقيقي "لا"، و"مشغول شوي" كرد جاهز لأي طلب ما يبون يسوّونه.

القاسم المشترك بينها كلها: كذبة تأجيل مو كذبة إنكار — الناس صارت تفضّل تأجل المواجهة على وضوح الرفض.


هل سمعت عن المحتوى الرخيص؟ عرّفتُه بأنّه كل نصّ أو فيديو أو قصة ينشرها صانع المحتوى بهدف إثارة مشاعر سطحية بأفكار معلّبة وقيمة تقترب من الصفر. وأصحاب هذا المحتوى يعيشون في عالمنا باختلاف أشكاله ومجالسه ومنصّاته. جمعت لك بعض علاماتهم في هذه المقالة كمحاولة لتمييز الأشياء بضدّها، وإثبات وجود المحتوى السهل غير الممتنع.

سألت المرة الماضية «لماذا نرى الماضي أجمل من حقيقته؟»، واخترت من إجاباتكم أربع:

  1. لوقوفه هناك متعاليًا على مشقّة الحاضر وقلق المستقبل! – عاصم محمد.

  2. يتقبّل الإنسان جميع أزمنته، إلا مضارعه – لمى فهد.

  3. الوقت يجلب النسيان ليمحو مرارته – آية السيد.

  4. «ذكريات كذابة والأشواق كذابة»— جود العمري نقلًا عن تامر عاشور.

وسؤالي لك اليوم طال ليتيح لك أن تجيب عنه بصدق:

لماذا يحتاج الحب إلى قصائد وألحان وأدلّة… بينما نكون صادقين ومُصدّقين حين نكره؟

أجبني مع الالتزام بعدد الحروف، واسألني ما شئتَ إن شئت.


أعجبتك النشرة وودّك تستمرّ؟ أرسلها إلى 63 شخصًا قد تفيدهم، وتابع قناتها في واتساب.

السهل الممتنع
نشرة قوارش
نشرة قوارش
كلّ سبت

نشرة بريدية أسبوعية تفكّك ألغاز المحتوى لمَن يخوضون معارك سوداء مع الصفحة البيضاء! 🖋️