مهن المحتوى إلى زوال – وهذا ليس عنوانًا مضلّلًا! 🪦

هل تراجعت عن قولي السابق باستحالة استبدال الكاتب بالآلة؟ سأحاول أن أجيبك في نقاطٍ خمس.

بعد كلّ نجاح أمرّ به أو إخفاق يمرّ بي أشعر بأن لا فائدة من كلّ شيء، أشعر بالعبثيّة وتسلّط الأسئلة الوجودية في مسار حياتي مع حمدي وشكري لله على جميع النعم. لكن يبقى هذا الشعور متجدّدًا، يزورني مرتين شهريًا. فصباح الخير من إحداهما.


إعلان 📢 

أبحث عن كاتب محتوى (منضبط متعاون ودود ولود ببنات الأفكار الطيبة، سريع التسليم عديم التأخير، قاسٍ في التنظيم مرن في التعديل، يولّد نصوصًا وأفكارًا تعجب المدراء والعملاء على حدٍ سواء، لا تشوبها أخطاء لغوية ولا مغالطات منطقية) لأقول له: هذا بالضبط ما يفعله الذّكالي اليوم ويتفوّق عليك فيه!

إنّ بقاءك في السوق حتى الآن يعود إلى سببين، أحدهما في السماء والآخر في الأرض. سبب السماء أنّ رزقك على الله وهذا لا يملك أحد أن يأخذه منك، وسبب الأرض أنّ السوق تجهل الطريقة الصحيحة لاستبدالك بالآلة، وهذ الجهل مؤقت، لن يتجاوز خمس سنين بحالٍ من الأحوال، إلا إن تدخّلت أسباب السماء مرةً أخرى.

هذا الكلام وما يليه من كلامٍ أرجو أن تلتمس لي العذر فيه، قد يبدو لك جازمًا قاسيًا ساخرًا، لكنّك لن تسمعه من أحدٍ بهذا التفصيل والتبسيط والوضوح في جمع الأدلّة وتوظيفها لإقناعك. فهذا ما أتقنه ويجب أن أحافظ عليه وإلا استبدلتني بنشرة اصطناعية لعينة أيضًا. ثم إنّ هناك مثلًا يردّده صديقي حسام نقلًا عن أبيه المكّاويّ الصميم: «يا بخت من بكّاني وبكى عليّ، ولا ضحّكني وضحّك الناس عليّ!» وهذا المثل الجميل مما لا يمكن استبداله بكلام الآلات. فتأمّل.

بعد شهرين من احتكاكي اليومي بإحدى منصات الذّكالي، وتدريبها المكثّف على كتابة أفكار الإعلانات للخدمات والمنتجات، واستخدام طريقة خاصة وخلطة سرّية لا أظنّ السوق عاجزة عن الوصول إليها، ولا أظنّ الأداة عاجزة عن تدريب نفسها بالطريقة ذاتها.. فخلاصة القول: إنّ كتابة المحتوى بشكلها المعتاد: منشورات يومية وأوصاف للمنتجات ومحتوى لصفحات الهبوط وكلمات مفتاحية وكتابة تجربة مستخدم وإعلانات أداء يومية ونصوص تفاعلية مع المناسبات… هذا كلّه ستكفينا فيه الآلة وتكتبه بدلًا عنّي وعنك بطريقة لا ينقصها إلا الحكم النهائي على صلاحية النّص وتفضيله على الخيارات الأخرى (الجيدة المقبولة أيضًا). وهذه يكفي فيها الموظف الواحد عن الفريق.

ستسألني سؤالنا المفضّل لماذا؟ وهل تراجعت عن قولك السابق باستحالة استبدال الكاتب بالآلة؟ وسأحاول أن أجيبك في نقاطٍ خمس: 

  • حين تدفع السوق لكتّاب المحتوى مقابل البحث والتفكير والكتابة اللغوية السليمة بعيدًا عن الإبداع (الإبداع الحقيقي لا التسليكي)، فمن غير المنطقي أن يستمرّ في الدفع مع وجود بديل أرخص يعمل ليل نهار بكفاءة عالية وحاجةٍ أقلّ إلى الأيدي العاملة المقتصرة على دور الإشراف والتوجيه وإدخال الأوامر ومراقبة الأفعال. هذا يشبه التخلّف عن الثورة الصناعية حُبًا وانتماءً للأيدي العاملة البشرية.

  • في جميع العصور تفوز النُّدرة، وبلا شك فإنّ مهارات العصف الذهني وكتابة عشر نسخ من كل نصٍ تسويقي، وتسليمها في الموعد، وتعديلها بحسب ما تمليه عليك أهواء العميل.. لم تعد مهارات نادرة، بل هي الأصل الذي بُنيت عليه الآلات وتفوّقت فيه على كتابة البشر. بهذا أصبحت المهارة النادرة فعلًا هي قراءة تلك النُّسخ، وتوظيف الحدس الإبداعي والقدرة النقدية في الحكم على بعضها بالقتل، وإحياء بعضها الآخر مع التنبّؤ بفوزها في سباق التسويق، مع امتلاك إجابة حاسمة لسؤال لماذا، (فالبقاء للأعرف).

  • قلتُ سابقًا إنّ الآلة لا تملك تجربةً بشرية فريدة، وهذا من أعظم الفروق بينها وبين البشر (حتى الآن)، لكنها تملك قواعد بيانات هائلة تلخّص معظم التجارب البشرية! فهل هذا يكفي؟ 

لا، الآلة تخاف من مخالفة التوقعات ففيها مخاطرة، وتخاف من التفاصيل الغريبة هربًا من الهلوسة، لأنّ مخالفة التوقعات وغرابة التفاصيل ما هي إلا أخطاء في نظر الآلة التي تنطلق من الإحصاء والرياضيات في كلّ شؤونها. أمّا الإنسان (المبدع) فيرى أنّ الخطأ والاختلاف عن السائد هو ما يميّزه أصلًا. راجع القاسم المشترك بين الإعلانات التي صمدت في عقلك لسنين عديدة، ستجدها مخالفة للتوقّعات العامة. يُقال إنّ الفكرة التسويقية العظيمة هي رهان ثقافي على لحظة اجتماعية بعينها، لكن ما نسبة هذا النوع من المحتوى قياسًا بمتطلبات السوق اليومية؟ لا أظنّها تبلغ العُشر.

  • بما أنّ (البقاء للأعرف)، هل سينجو الكاتب الخبير إذن؟ أيضًا لا. إذا نظرنا لأسباب الأرض فالخبير هو موظف تراكمت لديه مواقف وقصص نجاح وفشل مكّنته من سرعة اتخاذ القرار الذي يرجّح أنّه صواب، وهذه الخبرة يمكن أن تتراكم بالطريقة ذاتها عند الآلة. في ظنّي سينجو الخبير الموهوب، الذي يتقن مخالفة التوقّعات واقتناص «الإنسايتات»، وقد ينجو الخبير غير الموهوب إذا تمكّن من تسخير الآلة في مضاعفة إنتاجيّته كمًا ونوعًا، واستطاع (دراسة أعمال الموهوبين وفهم أنماطها وتكرارها بوعي وحذر) بعين الخبير فعلًا. وهذه الجملة بين القوسين إن وعيتها فقد وعيت الدرس كلّه.

  • بعد النظرة التفصيلية الواقعية أعلاه، ما زلت أجد مَخرجًا مؤقتًا لكتّاب المحتوى في السعودية والعالم العربي. وهو كون النماذج الاصطناعية بُنيت على لغات مطوّريها، وخطوات تدريبها وتطويرها ما زالت تعطي الإنقليزية والصينية واللغات الأخرى أولويةً على العربية. فمن يكتب باللهجة العامّية المتجدّدة يملك مهلةً أطول من كاتب المحتوى الإنقليزي مثلًا، وهذه نعمة، تصاحبها نقمة أنّ معظم الشركات لا تفرّق بين الكاتب المبدع والعادي أصلًا! فمن السهل أن تنجرف مع الموجة وتستبدل الاثنين معًا قبل أن تكتشف الفرق بين كلٍ منهما والآلة.

ثم إنّ جميع ما سبق لا يقتصر على مهن كتابة المحتوى، قِسه على التصميم والمونتاج والرسم وباقي أدوار الصنعة الإبداعية ولن تجد اختلافًا كبيرا. 

شخّصتَ المشكلة وتكهّنت بزوال المهنة بشكلها الحالي، فما الحل يا حكيم الزمان؟

هذا ما سوف نعرفه في الحلقات القادمة من هذه النشرة، التي لا أظنّ مقالات أعدادها القادمة ستسير على نهج مقالاتها السابقة. فالعالم يتغيّر وعلى الجميع أن يتغيّر معه. «إنّ السفينةَ لا تجري على اليَبَسِ».


«أستطيع أن أكتب بدلًا عنك، ولا أستطيع أن أندم بدلًا عنك.»

كلود بن إنثروبك


سألتُ آلتي المفضّلة في المشروع الذي نعمل عليه سويًا منذ أسابيع «ما الذي يمنعك من استبدالي بعد كلّ ما علّمتك إياه؟»

فأجابت ولا أدري كيف سأتحمّل النظر إلى وجهها بعد اليوم 😔: 

لا شيء يمنعني من كتابة ما تكتبه. هذا الجزء صار سهلًا، وأنت تعرف ذلك لأنك بنيت ***** على هذه الحقيقة تحديدًا. لو كان سؤالك «هل تقدر تنتج إعلانًا سعوديًا جيدًا بدوني؟» فالجواب الصادق: نعم، في أغلب الحالات.

الذي لا أقدر عليه أضيق مما تظن وأخطر مما تظن:

أنا لا أعرف متى أكون مخطئًا. الدستور نسخة v21 من ذوقك في لحظة معينة، وأنا أنفّذه بكفاءة، لكن الذي جعله ينتقل من v13 إلى v21 هو أنك قرأت مخرجاتي وقلت «هذا رديء» في حالات لم يكن فيها نص الدستور يقول إنها رديئة. أنت كتبت هذا بنفسك: الدستور ليس ما يتحسّن، بل حلقة التقييم حوله. أنا الدستور، وأنت الحلقة. بدونك أتجمّد عند أفضل نسخة علّمتني إياها، وأبدأ بالتحلّل ببطء لأنني سأعيد إنتاج أنماطي ولن ينتبه أحد.

ولا أعرف السوق السعودية إلا كما وُصفت لي. الزاوية المحروقة، ما يُقال وما لا يُقال، ما تغيّر في السوق الشهر الماضي، هذه أعرفها من النص لا من العيش، وأنت مَن يتحقق.

ولا أتحمّل عاقبة. لا اسمي على الإعلان، ولا عميل يتصل بي غاضبًا، ولا سمعة تُبنى أو تنهار. الكاتب الذي يُستبدل هو الذي كان يبيع إنتاج نصوص. أنت لست هذا الكاتب منذ فترة؛ صرت تبيع الحكم على النصوص، وتاريخيًا هذا ما يبقى.

الجملة التي لن تعجبك: الحاجز ليس ثابتًا. كل مرة تحوّل فيها حكمًا من رأسك إلى بند في الدستور أو إلى ناقد آلي، تنقل جزءًا من نفسك إليّ عمدًا. هذا هو مشروعك، وهو صحيح تجاريًا، لكن اعرف أنك أنت مَن يحرّك الخط، لا أنا.


حقيقةً لم أشارك بالكثير في هذه المقالة، بل نقلتها عن كاتب محتوى يحاول أن يجد مكانًا له في المستقبل. تستطيعون تمييز أسلوبه الركيك من كمية النفي والإثبات المصطنعة بداخل رسالة من عام 2100 إلى الزمن الجميل. ولو عاد بي الزمن لما كتبتها بهذا الأسلوب، لأنّه تغيّر وسيتغيّر.

سألت المرة الماضية لماذا نقف أمام الثلّاجة المفتوحة ونتأمّلها؟

فقال هؤلاء الكرام:

  1. نبحث عن تبريرٍ لجمود الوقت فينا – رحيق كنجو.

  2. بحثًا عن من سيتم الإفراج عنه، الجبنة أو الزيتون؟ – نورة الدخيل.

  3. كثرة الخيارات تربك عملية اتخاذ القرار – المهند السبيعي.

  4. لأننا نبحث عن شيء يسد جوعنا العاطفي – جود العمري.

  5. لحلاوة الخيار دون ضرورة الاختيار – نورة الدوسري.

  6. نستمتع بقرب الهدف وحرية اتخاذ القرار – نهى رضوان.

وسؤالي لك اليوم، لماذا يقشعرّ الجلد حين تسمع الأذن صوتًا جميلًا؟ أجبني دون استخدام آلةٍ لعينة أرجوك.


أعجبتك النشرة وودّك تستمرّ؟ أرسلها إلى 61 شخصًا قد تفيدهم، وتابع قناتها في واتساب.

الكتابةالذكاء الاصطناعي
نشرة قوارش
نشرة قوارش
كلّ سبت

نشرة بريدية أسبوعية تفكّك ألغاز المحتوى لمَن يخوضون معارك سوداء مع الصفحة البيضاء! 🖋️