اكتُب كساحر – لماذا تنجح الإعلانات وتفشل 🪄

أسباب نجاح وفشل الإعلانات في ثلاث محرّكات. 👌

يقول عمر السلمي «إن حياتك في الأربعينات من عمرك مثل كوب ماء ذقت منه رشفة، ثم لم يعجبك طعمه، فقرّرت أن تشرب الباقي لأنك إن لم تفعل ستموت من العطش.»

المفروض أنك الآن تتساءل من هو عمر السلمي حتى أهتم لما يقوله عن الحياة؟

بغض النظر عن أنه أحد أصدقائي المصممين الذين استبدلهم الذكاء الاصطناعي، وبغض النظر عن أنّه لم يقل هذه المقولة ولا غيرها، وعن أنه بالكاد يبلغ الثلاثين… لكن لا أحد سيعرفه بمجرد ذكر اسمه الثنائي! مثلما لن يعرف أحد «بولمان سبارك» حين يُستشهد به في مقولة عن التسويق أو علم النفس أو الفلسفة! لكنّنا نتقبّل كلام ابن سبارك أكثر من كلام السّلمي، فهل هذا من انبهارنا الغريب بكل ما يصدر من الغرب؟

ربّما، وصباح الخير.


على الجانب الآخر يقول نزار قبّاني «وعدتُك أن لا أعود وعدت»، أمّا أنا فأقول وعدتُك أن أعود بإجابةٍ عن سؤالين، وهأنذا أعود بأسباب نجاح وفشل الإعلانات في ثلاث محرّكات. 👌

المحرّك الأول: مستوى الوعي

#أيّام_ثمانية (ويبدو أنّها ستصبح فقرة ثابتة أنشر فيها غسيل تجاربي السابقة) كنت أكرّر لفريقي سؤالًا طويلًا غثيثًا مهمًّا: هل هذا المنشور الإعلاني عن البرنامج الجديد أو النشرة الجديدة سيبدو مثيرًا للاهتمام إذا مرّ على شخصٍ لا يعرف عن ثمانية إلا أنّها الرقم الذي يقع ما بين سبعة وتسعة؟ نستطيع التنبّؤ بنجاح الإعلان إذا كان ممتعًا لمن يعرف ثمانية وينتظر جديدها، ومثيرًا لاهتمام من لا يعرفها لكنّ المنتَج يستهدفه.

تخيّل تصميمًا إعلانيًا لمتجر العطور (رفيقنا من العدد السابق) هذا نصّه الرئيس: «اشتر ثلاثة عطور بسعر اثنين». اعرض هذا الإعلان على شخصين، الأول عميل سابق جرّب عطور المتجر وأحبّها، قد يحفّزه انخفاض السعر لإعادة الشراء، لأن الإعلان لامس احتياجه الفعليّ. أما الثاني فلم يسمع بالعلامة في حياته، أو لم يجرّب عطورها من قبل، «سيسكّب» إعلانك ويَسكُب عطرك من الثانية الأولى، فالعامل الأهمّ هنا هو مستوى الوعي، ولا علاقة لجودة الأفكار والكتابة بالنتائج المحبِطة المتوقعة.

ما عليك من كلامي، يقسّم العلماءُ العملاءَ إلى خمسة مستويات في سُلّم الوعي: 

المستوى الأوّل: العميل واعٍ تمامًا بالعلامة ومنتجاتها. ينتظر «تكّة» إقناع أو تذكير أو (عروض اليوم الوطني) وسيشتري بسرعة.

الثاني: العميل واعٍ بالمنتج ومميزاته، لكنه يضمر شكوكًا حوله، فيحتاج دليلًا إضافيًا أو ضمانًا ذهبيًا بالاسترجاع بلا شروط.

الثالث: العميل واعٍ بالمشكلة (أو الاحتياج) وواعٍ بالحلّ، ويعرف أن السوق مليء بأمثالك، وربّما جرّب منتجاتهم وأعجبته، ولا يرى ما يميّزك عن العشرين الذين رآهم أو الثلاثة الذين اشترى منهم قبلك.

الرابع: العميل واعٍ بالمشكلة ولا يعرف لها حلًّا، وينتظر أن تحسّ بألمه، وتتقمّص احتياجه، وتثبت له أنّ في منتجك المَخرج الأقرب والحلّ الأمثل.

وأخيرًا الخامس: وهو العميل غير الواعي، الذي لا يرى مشكلة أصلًا. وربّما مدخلك الوحيد إليه هو قصة تشبهه، يكتشف فيها مشكلته قبل أن يعرف أنه يواجه إعلانًا متنكرًا يقنعه بالمشكلة والحلّ الدّقيق معًا.

والقاعدة الرهيبة التي تعلّمتُها مؤخرًا تقول: كلّما هبط جمهورك درجةً في سُلّم الوعي، ابتعد «هوك» إعلانك عن المنتج واقترب من حياة العميل أكثر.

وأفشَل الإعلانات هي تلك التي تحرق ميزانيتها على مشاهدات ضخمة وعمليات شراء معدومة. خطأُ صاحبها أنّه كتب إعلان الدرجة الأولى ليستهدف أهل الدرجة الخامسة. أو العكس.

المحرّك الثاني: نضج السوق. 

إذا كان سلّم الوعي يقيس ما يعرفه الجمهور عنك وعن منتجك، فالنضج يقيس كم إعلانًا مشابهًا لفكرة إعلانك استُهلك قبل أن تصل إليه. 

مثلًا، إذا دخل لاعبٌ جديد لسوق «مكائن» الحلاقة الرجالية بالسعودية اليوم، هل سيفيده إنفاق الملايين على المشاهير لإقناع الناس بأنّ «المكينة» لن تجرح لغاليغهم؟ حتمًا سيخسر. فالفكرة التي أدهشت السوق في عامها الأول، ستثير ملله في عامها الخامس، وشتائمه في عامها العاشر. 

ولو طبّقنا الفكرة نفسها على مثالنا المتجدّد (العطر)، سنجد أنّ أوصافًا مثل «فاخر» و«أصلي» و«فوّاح» ما هي إلا كلمات ميّتة، تُعجب كاتب الإعلان، وتمرّ على القارئ فيقرأها وكأنّه لم يقرأها. 

ونصيحتي لك: قبل أن تكتب حرفًا في مسوّدة الإعلان، اكتب قائمةً بالجُمل والوعود التي يكررها جميع منافسي هذا المنتج. ثم ابحث عن المساحة التي لم يقف فيها أحد، واستخدم أدوات الإقناع التي لم يفكّر فيها أحد، مُمسِكًا بسلّم الوعي، واضعًا نُضج السوق وتفرُّد الفكرة نصب عينيك.

المُحرّك الثالث: كسل العقل البشريّ

بما أنّ الدماغ يحتاج يوميًا إلى اتخاذ آلاف القرارات التي تشكّل عبئًا أكبر من قدرته على التحليل، فقد طوّر طرقًا مختصرة وخطرة تساعده على زيادة إنتاجيته. وبالطبع استغلّها أهل التسويق لتؤثر في قرارات شرائنا جميعًا مهما أنكرنا ذلك. خذ منها على سبيل المثال: 

  • الغالي غالبًا أجود!

  • ما يقوله الخبير غالبًا صحيح!

  • ما يشتريه الكل غالبًا كويّس!

 هذه الاختصارات تصيب في معظم الأحيان، ولهذا نثق بها ونطبّقها دون تفكير. وتكمن خطورتها في كونها تفيد الكاذب مثلما تفيد الصادق. فالغلاء الوهميّ يبيع، والطوابير المصطنعة تبيع، ونصائح اليوتيوبر الذي يرتدي معطفًا أبيض ويجلس أمام مكتب تبدو مثل نصائح الطبيب!

يشوّه الكاذب سمعة الصادق، ويكتشف الجمهور الكذبة فيشكّك في الاثنين معًا. ولهذا فإنّ كل تقنية في هذه المقالة تقف على شرطٍ مهم: أن تُبنى على حقيقة قابلة للإثبات. وهذا الشرط يلخّص الفرق بين كاتب إعلانات محترف، وكذابٍ أشِر.

بقي أن أضيف ختامًا مهمًّا -انسِبه إلى بولمان سبارك إن أردت- وهو أنّ عملية صناعة المحتوى التسويقي أعقد من أن نحصرها في نظريات التسويق وسلالم الوعي، وأنّ للفكرة الإبداعية الذّكية سُلطتها في التأثير على قرارات النّاس. وقد يُدفعون إلى اتّخاذ قرار الشراء إعجابًا واعترافًا بقدرتك على التفكير والتعبير بتلك الدرجة من البيان السّاحر. 🪄


«لا تنجح جملة تحمل الحقائق وحدها؛ لا بدّ أن تحمل معها العاطفة والصورة والمنطق والوعد.»

يوجين شوارتز


ما سألتها المرّة هذي، خلّصت «التوكنز».


معظم النصوص التي تُعرض عليّ أو أقرأها في حياتي اليومية متصفحًا عالم المحتوى، أكتشف أنّ أسباب إخفاقها أو تقصيرها يمكن تلخيصها في تحقيق معيارين أساسيّين. كتبتُ عنهما في هذا العدد بعد فوزٍ غير مستغرب للهلال.

سألت الأسبوع الماضي لماذا يربكنا الصمت في وسط الحوارات؟ فأجاب هؤلاء بفنّ:

  • نخشى انفجار الحقائق! – نوف السليمي.

  • لأنه تهديد لرغبة القبول الاجتماعي 🤷‍♀️ – بيان الريشي.

  • لأن الحوارات وجدت لتغلبه لا ليغلبها – نورة الدخيل.

  • لأن صوته أقوى من الكلام – عمران العمودي.

  • لأنه يمطرنا بوابل من الافتراضات – المهند السبيعي.

وسؤالي هذا الأسبوع: لماذا نقف أمام الثلاجة المفتوحة متأمّلين؟


أعجبتك النشرة وودّك تستمرّ؟ أرسلها إلى 59 شخصًا قد تفيدهم، وتابع قناتها في واتساب.

الإقناعالإعلاناتالتأثير
نشرة قوارش
نشرة قوارش
كلّ سبت

نشرة بريدية أسبوعية تفكّك ألغاز المحتوى لمَن يخوضون معارك سوداء مع الصفحة البيضاء! 🖋️