عن حتمية الرحيل وقسوة الوداع وسُلطة الذكريات…

في كلّ لحظة وداع أبحث عن طريقة قاسية لمحو الذكريات الجميلة، فأعجز عن ذلك وأتذكّر.

«طِب نفسًا إذا حكمَ القضاءُ.» وصباح الخير. 🤍


حتى الساعة التاسعة من صباح هذا اليوم وأنا أبحث عن سبب يبرّر لي عدم كتابة مقالة لهذا العدد، ولم أجد سببًا مقنعًا. لكن بما أنّي أشعر بالتشتت، سأكتب هذا العدد مبعثرًا، ليجسّد الأفكار التي تحوم في رأسي الآن.

 أحبّ الشافعي لأسبابٍ كثيرة، أحدها أنّ الشطر الذي صبّحت عليك به في مدخل هذا العدد منسوبٌ له. وفي القصيدة نفسها يقول أيضًا: 

وَكُن رَجُلاً عَلى الأَهوالِ جَلدًا

وَشيمَتُكَ السَماحَةُ وَالوَفاءُ

مطلع الأسبوع الماضي، تُوفّي أحد الأشخاص الذين لهم فضلٌ عليّ. (رحمه الله وغفر له.) وكالعادة أعود لآخر محادثة معه فأجده يطلب لقائي ويدعوني لزيارته، وأتذكّر اتصاله بي بعد إصابته بجلطة أفقدته القدرة على الكلام المفهوم. دعوتُ له حينها وجاملتُ و«سلّكت»، دون خطوةٍ جادة أو موعدٍ حقيقي للقائه والاطمئنان عليه. يأتيني خبر وفاته فألعن تسويفي وأشتم قلّة وفائي، وأحزن لساعات، ثم أكمل حياتي كأنّ شيئًا لم يكن.

غادرتُ ثمانية في الأسبوع نفسه، ورغم أنّي كتبت خطاب استقالتي قبل الإعلان عنها بثمانية أيام، واتّخذت قرارها قبل أسابيع في إجازةٍ بين الجبال الخضراء وانعكاسات السماء الزرقاء، ونمتُ بعدها أصفى ثماني ليالٍ في حياتي المهنية، إلّا أنّ الحزن داهمني والشقيقة أصابتني حين قرأت توديع الأصدقاء والزملاء. حزنتُ لساعات، وأكمل اليوم حياتي كأنّ شيئًا لم يكن.

يختلف الناس في كلّ شيء وعلى كلّ شيء، ويتّفقون على حقيقةٍ واحدة كبرى وهي حتمية الرحيل عن الحياة والحيوات التي بداخلها. والمفارقة أنّ هذه الحقيقة الكبرى هي أكثر ما يغفلون عنه ويتعامون عن وجوده إلى أن يقع.

بعيدًا عن الحزن والموت وتبعاته. حين تتخذ قرارًا مصيريًا لا يحدث إلا كلّ خمس سنوات، سيسألك «لماذا» من يعرفك ومن لا يعرفك، من يهتمّ فعلًا لأمرك ولأمر الأطراف الأخرى ومن لا يهتم. سؤال «لماذا» الذي يصاحب قرار الرحيل، يشبه سؤال «كيف» حدثت الوفاة. والحقيقة أنّ هذه الأسئلة لا تعكس أيّ نوع من الاهتمام، ما هي إلا فضولٌ محض، لأنّ البشر يكرهون القصص التي لا يعرفون نهاياتها، أو لا يسهمون في كتابتها.

أقول لشركائي في الحياة دائمًا، محاولًا تبرير هوَسي بالخصوصية التامة: من يطّلع على حلقة من حياتك سيحوّلها إلى مسلسل. ولن يُرضيه سوى مشاهدة جميع الحلقات وصولًا إلى النهاية التي سيُسهم وجوده في حدوثها على الأغلب.

أحد المشاهد الطفولية المحفورة في ذاكرتي، والتي شكّلت جزءًا من نظرتي للعلاقات عمومًا، ولحظات الوداع خصوصًا، هو ذلك الصراع المكتوم في عينيّ وائل (المنافس الأبرز لسامي في مسلسل الرمية الملتهبة) وهو يواجه فريقه للمرة الأخيرة قبل الرحيل، ويودّعهم بطريقته الخاصة القاسية. في هذا المشهد يتحوّل وائل فجأةً إلى مدرّبٍ قاسٍ جدًا، يبطش بفريقه ويطرحهم واحدًا تلو الآخر. 

يصف أحد أعضاء فريقه المشهد: «لقد تهجَّم على فريقه وكأنه لا يعرفهم!» وبعد إلحاح من سامي والفريق، يكشف والد وائل السبب الحقيقي: «سيسافر وائل معي إلى أوربّا، وقد صعُب عليه ترك النادي فأراد أن يمحو ذكرياته مع الفريق بهذه الطريقة.»

تمرّ سنواتٍ طوال، وأشاهد اللقاء الشهير الذي فجّر الخلاف بين ناصر القصبي وشريكه عبدالله السدحان. يفسّره النقّاد والجمهور بطريقتهم، وأرى فيه مشهدًا متكرّرًا لوائل، الذي يحاول أن يمحو ذكرياته مع الفريق بأبشع طريقةٍ ممكنة.

أمّا عنّي فقد رحلتُ عن أصدقاء وزملاء وشركاء كثيرين، ورحلوا عنّي، وفي كلّ لحظة وداع أبحث عن طريقة قاسية لمحو ذكرياتنا الجميلة معًا، فأعجز عن ذلك. أنا لستُ وائل، وهُم ليسوا أعضاء فريقي، والحياة ليست رميةً ملتهبة. ☄️


«ما عرف الحبُّ عُمقَ نفسه إلا في ساعة الفراق.»

جبران خليل


سألت الآلة: «ما الذي يفرّق بين إنسانٍ وآخر أكثر من أي شيء؟»

فأجابت: «ما يفعله حين لا يراه أحد.»


أحبّ هذه المقالة، لأنّها عن هوايتي الأولى والأخيرة. عن الشيء الذي سأقضي فيه جزءًا معتبرًا من يومي العادي في فترة استراحتي المهنية. كيف تكتب قصّة مدهشة من ستّ كلمات؟ 

سألت الأسبوع الماضي «لماذا نصدّق النقد أكثر من المديح، رغم أن كليهما مجرّد رأي؟» وأعجبتني هذه الإجابات:

  1. يخدش بدرجة كافية دون أن يقتل – أحمد مصطفى.

  2. في المديح احتمال للمجاملة – عمار أحمد.

  3. لعل طول مصاحبة النقد تتلبس الإنسان كدرع يحول دون نفاذ المديح – نهى رضوان.

  4. لأنه الأقرب إلى فطرة قابيل نحو أخيه هابيل – محمد الشيخ.

على عكس جميع الأعداد السابقة، كانت إجابات الذكور على سؤال النقد والمديح أكثر من إجابات الإناث، أترك لك تفسير هذا الأمر بطريقة حضارية. والإجابة على سؤال اليوم: لماذا يكذب الإنسان دون سائر الكائنات؟


أعجبتك النشرة وودّك تستمرّ؟ أرسلها إلى 57 شخصًا قد تفيدهم، وتابع قناتها في واتساب.

الوداع
نشرة قوارش
نشرة قوارش
كلّ سبت

نشرة بريدية أسبوعية تفكّك ألغاز المحتوى لمَن يخوضون معارك سوداء مع الصفحة البيضاء! 🖋️