الإعلانات الخارقة — لماذا ينجح إعلان الميم؟
التقليد سهل ومتاح للجميع ويحقق نتائج طيبة، بينما الابتكار صعب ونفيس ولا يضمن لك النتائج! إلا في حالة الوعي الكامل بأسباب نجاح هذا الإعلان.

وظيفتك التي تشغلك عن مواكبة الذّكالي هي أول من سيتخلى عنك لأنك لم تواكب الذّكالي! وزّع وقتك ورتّب أولويّاتك صح... وصباح الخير.

وصلني إعلان لمتجر عطور. صورة لمجموعة عطور مكتوب فوقها بخطّ صغير: «دخلت متجر كذا وطلبت 7 منتجات بـ299 ريال بس» وتحته هذا الميم (وجه تخرج من عينيه أشعّة ليزر) لكن مع عبارة «اختي بعد ما عرفت وهي دافعة عليها 550 ريال:» وفي الخلفية موسيقى رعب. وانتهى الإعلان. بدون كلمة عرض، ولا زر «اشتري الآن»، ولا شعار المتجر مع إلحاح ويمين مغلّظة بأنّه العرض الأفضل للعطر الأصلي بالسعر الأصلي.
هذا الإعلان وإن كان ذكيًا، فأغلب الظنّ أنّ صانعه قلّد غيره، وغيره قلّد غيره، وصولًا إلى الصانع الأوّل صاحب الفكرة (والذي بالمناسبة استلهمها من عشرات الإعلانات التي كانت تحوم حول الفكرة ولا تصيبها) التقليد سهل ومتاح للجميع ويحقق نتائج طيبة، بينما الابتكار صعب ونفيس وعصيّ على العقل ولا يضمن لك النتائج! إلا في حالة الوعي الكامل بأسباب نجاح هذا الإعلان، والقدرة على تحليله بطريقة تسهّل تقليد العوامل التي أدّت لنجاحه، بدلًا من الاكتفاء بتقليده شكليًا وعُميانيًا!
نعود للسؤال الذي بدأنا به هذه النشرة وسننتهي به «لماذا» نجح هذا الإعلان؟
لأنّه إعلان خارق. خارق هنا لا أعني بها أنه رهيب وخارق للطبيعة، بل أنّه يشكّل خرقًا للأعراف المجتمعية بطريقة تشبه طريقتنا الشخصية في الحديث عن أقاربنا أو وظائفنا، أو حتى حديثنا وراء أصدقائنا في حضور البعض الآخر. تطبيع النّقص يشعرنا بالألفة تجاه صاحب الإعلان وأنّه «يشبهنا» فعلًا. ونحن نحبّ من يشبهنا مهما تظاهرنا بغير ذلك.
هذا النوع من إعلانات الميم، ومثله إعلانات وجهات النظر «POV»، وغيرها من الأنماط التي راجت منذ ظهور تك توك، تُسمّى «native advertising» وهي الإعلانات التي تتشكّل بشكل المكان الذي تنزل فيه، وتتطبّع بطباعه، وتؤدّي دور المنصة في صناعة محتوى يشبه جمهورها وما أتوا لمشاهدته.
وبالطبع أنا ما عرفت هذا المصطلح إلا بعد بحث بسيط حتى أبدو فاهمًا لما أقوله. وحتى أبدو فعلًا فاهمًا لما أقوله فعلًا، ولأنّي أحب الضرب، فسأضرب لي ولك أمثلة عديدة تقرّب الفكرة:
كم مرة مررتَ بثريد في إكس يتحدث عن علامات انخفاض التستوستيرون أو ارتفاع القلق أو نقص النوم… ثم يرمي لك في نهايته روابط لمكمّلات تزعم حلّ هذه المشكلات؟
كم مرة مررتِ بكاروسيل في إنستقرام أو تك توك يتحدث عن طاقة الأنوثة وعلاماتها ومدمّراتها وكيف أنّها خلافًا لقوانين الفيزياء قد تُستحدث من العدم… ثم انتهى الكاروسيل بأنّ هذه المعلومات ما هي إلا فقرة من الكتاب الذي يجب أن تحمّليه من الرابط في البايو؟
كم مرة قرأتَ منشورًا مليونيًا في لنكدإن يحكي فيه موظف الموارد البشرية بطولاته في الرحمة والرأفة بمتقدّم لوظيفة نسي سيرته الذاتية في بيته وحضر المقابلة بدونها، لكنّ الموظف مسح على رأسه وهدّأ من روعه وقرأ عليه… ثم تكتشف أنّ هذه البطولات ما هي إلا منشور منقول (أو مسروق) ينجح في تحقيق هدفه غير المعلن: زيادة وصول الحساب وتفاعلاته.
كم مرة أيضًا مررت بإعلان يستغبي المتابعين ويستفزّهم مثل هذا، لكنّه يحصد تفاعلات عجيبة وربّما مبيعات! فقط لأنّه جاء بمحتوى يشبه أهل المنصة، ويؤدّي مهمّتها اليومية في استفزاز الناس ودفعهم لابتكار شتائم جديدة.
بشكل عام، ستجد أنّ الإعلانات الساخرة والمبنية على الميمات هي أكثر ما ينجح في معظم المنصات. فلماذا؟
تقول نظرية الفكاهة إنّ الإنسان يضحك حين يجتمع شرطان في اللحظة نفسها:
1. يحدث خَرق: شيء يخالف توقعاتك. أو شيء «غلط»، لكن بشرط.
2. يكون الخَرق آمنًا: ما فيه أحد تأذّى فعلًا.
فإذا لم يحدث الخَرق، كانت الفكرة مملّة. وإذا ضاع الأمان، أصبحت مأساة بغلاف نكتة!
وبهذا تفشل الفكاهة من طريقين: حين تُشعر الناس بالملل، أو حين تجرحهم وتظن أنّهم سيضحكون.
كيف نُسقط هذا على إعلاننا الحالي؟
لو نظرت له بجدّية مفرطة ستجد فيه مشكلتين تصادمان ثقافة المجتمع.
الأولى أنّ البنت تتباهى بقوّة حظّها. بدلًا من أن تستر الموضوع وتحمد ربها كما جرت العادة.
الثانية اتّهام أختها بالحسد. وهذا موقف جارح إن أُخذ في سياقه الحقيقي.
فما الذي جعل هذا كله آمنًا ومضحكًا؟ ثلاثة أشياء على الأقل، وكلها مقصودة:
الميانة الحاضرة في علاقة الأخت. أنتِ تقولين لأختك كلامًا دون حساب، وتراجعينه مئة مرة قبل أن تقوليه لغيرها. لو كتبوا «أمي» بدلًا عن «أختي» لفشل الإعلان، فالأمّ فوق هذا المزاح. ولو كتبوا «وحدة شفتها في المول» سيمرّ الإعلان دون أن يضحك أو يهتمّ أحد، لعدم وجود علاقة تسمح بالمزاح أصلًا.
حجم الخسارة صغير نسبيًا. الأخت أهدرت 250 ريالًا. فكما تقول نظرية الفكاهة: العَثرة الصغيرة تُضحِكك حين تكون قريبة منك، والمصيبة الكبيرة تُضحِكك حين تكون بعيدة عنك. فرق السعر هنا هو العَثرة، والأخت قريبة. فأصبحت المعادلة موزونة.
موسيقى الرعب مبالغة تتظاهر بتخويفك. والميم المستخدم يطمئنك أن الأمر تمثيل دون أن يقولها بشكل مباشر. هذه المفارقة البسيطة تعزّز قبول الفكرة.
لو عدنا خطوة للوراء، لماذا يتفاعل الناس مع الميمز أصلًا؟
لنفس السبب الذي يدعوهم إلى مشاركة الاقتباسات العظيمة نقلًا عن مارلن كلافر وبولمان سبارك. أحدهم قال بالنيابة عنك ما تخاف أن تقوله! لكلٍ منّا عبارات يقولها لنفسه ويخاف أن يقولها لأحد. وحين يجد غيره كتبها علنًا، يشعر بارتياح وألفة ورغبة في المشاركة دون تحمّل تبعات النقل، فحتّى ناقل الكفر ليس بكافر.
أضف إليه تعليلًا آخر، أنّ الإنسان يسعى لنشر ما يعرفه ويفهمه حتى يحافظ على صورة واضحة ومتّسقة عنه أمام الآخرين. حين ترسل شيئًا لأحد، فأنت تقول له: أنا من النوع الذي يفهم هذه النكتة، ويتقبّلها، «وما يشدّها»، وإن لم تحبّني فهذه مشكلتك. 🤷🏻♂️

«أقلّ ما يكون الإنسان نفسَه حين يتكلّم بلسانه. أعطِه قناعًا، وسيقول لك الحقيقة.»
أوسكار وايلد

سألت الآلة «ما الشيء الذي يظنّ الناس أنهم يفعلونه لأنفسهم، وهم في الحقيقة يفعلونه للآخرين؟»
فأجابت وجلَدَت هذه المرّة: «أكثره في الذوق. الكتاب الذي نقرأه في المقهى وننساه في البيت. والرأي الذي نتبنّاه لأنه يجعلنا نبدو كما نتمنّى أن نُرى. والاعتذار الذي نقدّمه للارتياح من الإحساس بالذنب. والمضحك أن الآخرين مشغولون بنفس الشغلة، فما فيه أحد فاضي يتفرّج. وأوضح علامة أن الفعل لك: أنك تسوّيه وما يخطر لك أن تحكيه لأحد.» امممم عجيب.

منذ عام وإيماني يزداد بأنّ الذكالي وسيلة ممتازة جدًا وبديل سيئ جدًا للبشر، ومع أنّ إيماني تزعزع مع دخول كلود للملاعب، مازلت أرى هذا العدد نافعًا في رسم حدود ومضاعفة فعالية استخدام الذكاء الاصطناعي في مهارات الكتابة وأخواتها.

سألت قبل إجازتي «لماذا يبكي الإنسان في ذروة الفرح؟» وأعجبتني إجابات كثيرة، اخترتُ منها:
دمعة النجاح تحمل ذاكرة الطريق كله — آلاء الانكليزي.
امتلاء الجسد بالفرح، يجعله ضيّقاً للدموع — أسماء.
خداعاً للواقع كي يدوم — رحيق كنجو.
مجبولٌ على الاغتسال — أمجاد.
لأن الضدَّ يُظهر حسنه الضدُّ — بيان الريشي.
حتى لا يظن العالم أنه سعيد، فيعكروا صفوه — دانه حمدان.
وسؤالي لك اليوم: لماذا نصدّق النقد أكثر من المديح، رغم أن كليهما مجرّد رأي؟
أعجبتك النشرة وودّك تستمرّ؟ أرسلها إلى 56 شخص قد تفيدهم، وتابع قناتها في واتساب.

نشرة بريدية أسبوعية تفكّك ألغاز المحتوى لمَن يخوضون معارك سوداء مع الصفحة البيضاء! 🖋️