لماذا يكتب نواف قوارش؟

لا أعرف كائنًا من الثدييات أنجز شيئًا في الحياة دون قدرٍ كافٍ من الانضباط. حتّى الموهوبين.

في طفولتي كنت أكتب على الدفتر ثم أمزّق الورقة التي كتبت فيها، لا أحتفظ بشيء، ولا أُري أحدًا. أكتب ثم أُتلف الدليل كأنّني أرتكب جريمة. واليوم أكتب وأنشر أملًا في أن يقرأ لي الآلاف، ولا أعرف هل تخلّصت من جريمة الطفولة، أم شرعَنتُها، أم أنّني وسّعت مسرحها فقط؟ صباح الخير.


يسألني الكثيرون (ثلاثة أشخاص تقريبًا) عن سرّ الاستمرارية في الكتابة والنشر، فأقول بعد حمد الله على ذلك. هذه الاستمرارية لم تحدث إلا بثلاثة دوافع استيقظت اليوم وأنا أرغب في الكتابة عنها دون أن أضمن لك أيّ فائدة. 🤝

الدافع الأوّل: أنّني أحبّ الكتابة

أحبّ الكتابة أو تحبّني، ولا يوجد فرق كبير بين الحالتين. ساعدني في نضوج هذا الحبّ انطوائيّتي، أجد الانطوائيين أقرب إلى الكتابة مِن سواهم. فالكتابة محادثةٌ طويلة مع عقلك، محادثة لا يقاطعك فيها أحد، ولا تنتظر فيها دورك في الكلام، ولا تحتاج أن تُقنع فيها طرفًا آخر أو تسمع ردّه، ولا تضطرّ إلى تحمُّل عبء العيون التي تنظر إليك ويزعجها صمتك حين تختارُه جوابًا عن سؤالٍ طويل. أحب الكتابة لأنّني أكره الارتجال، والكتابة هي الترف الذي يسمح لي أن أعيد كلّ جملة بضع مرّات قبل أن تخرج من شفتيّ. هي مكاني الذي لا أُضطرّ فيه إلى أن أكون لطيفًا في غير وقت اللطف، ولا حاضرًا دون إرادتي الكاملة. حين أكتب أكون قريبًا منّي، بل حين أكتب أكون أنا.

الدافع الثاني: أنّني أؤثّر بالكتابة

لستُ مؤثرًا بمقياس مَن أصبح اسمهم «مؤثرين» بعد أن كانوا «مشاهير»، لكن تعليقًا واحدًا مثل هذا يكفيني لأستمرّ في النشر متمسّكًا بحُجة أنّ هناك من يقرأ حين أكتب، وهناك من يرى ما أكتبه مُلهمًا. قد يبدو هذا ضعفًا، لكنّ الكاتب الذي يدّعي أنّه لا يكتب لقارئ (كاذبٌ لطيف)، كلّ من يكتب يبحث عن قارئ، حتى لو كان القارئ المطلوب هو الكاتب ذاته.

الدافع الثالث: الانضباط.

كيف يكون الانضباط سببًا للاستمرارية؟ أليست الاستمرارية انضباطًا؟! 

لا. الاستمرارية نتيجة، والانضباط هو الصفة التي تُلزم نفسك بها لتحصل على تلك النتيجة. لا أعرف كائنًا من الثدييات أنجز شيئًا في الحياة دون قدرٍ كافٍ من الانضباط. حتّى الموهوبين، الموهبة تفتح بوابة الفرص والانضباط هو ما يُدخلك منها. أستيقظُ صباح كلّ جمعة وسبت وأكتب لا لأنّ الإلهام يتنزّل عليّ في هذا التوقيت، بل لأنّني قرّرت أنّ موعد النشر لا يقبل التأجيل. ويحدث أن أجلس لغرض الكتابة وعقلي فارغٌ تمامًا، فأكتب جملةً سيّئة، ثمّ أخرى أسوأ، ثمّ أصل إلى حالة التدفّق وأكتب الجُمل التي أنتظرها. ثم إنّني عنيد، وعاشق للتحدّيات، ولا أستطيع إكمال أسبوعي دون تحدّيات، (فكويس جات على الكتابة). وتراودني نفسي أن أتوقف عند العدد 100 من مسيرة هذه النشرة، فقط لأنّ هذا العدد شكله جميل ويشبه الكمال الذي نبحث عنه في حياتنا.

وبالعودة إلى سؤال لماذا أكتب، ربما لأنّني حين أمسك بالقلم أتوهّم أنّني أمسك بزمام الأمور، وحين لا أكتب أشعر أنّ الأيّام تتسرّب من بين أصابعي وأنا غافل. ربّما أكتب لأنّ الذاكرة خائنة والورقة وفيّة. وربّما أكتب لأنّني أريد أن أتخلّص من أفكاري قبل أن تسمّمني، فحين تعيش الفكرة داخلي تبدو عبقرية، وحين تخرج على الورق تظهر حقيقتها الساذجة، وهذا نقدٌ لا يقدّمه لي بهذا المستوى من اللطف إلا الكتابة.


«فظيعٌ جهلُ ما يجري *** وأفظعُ منه أن تدري»

عبدالله البردّوني


سألت صديقتي الحكيمة مجدّدًا: ما أكثر ثلاثة أشياء يندم عليها الإنسان في عمر الثمانين؟

فأجابت «تتلخص حسرات الثمانين في ثلاث فجوات بين ما عاشه الإنسان وما كان يتمنى:

العيش وفق معايير الآخرين: الندم على إضاعة العمر في محاولة إرضاء الناس بدلاً من الصدق مع النفس واتباع الأحلام الشخصية.

إهمال العلاقات من أجل العمل: الشعور بأن الوقت الذي سُرق من العائلة والأصدقاء لصالح السعي المادي هو خسارة لا تُعوض.

القلق على مستقبل لم يأتِ: إدراك أن أجمل سنوات العمر ضاعت في الخوف من احتمالات لم تحدث، بدلاً من الاستمتاع بجمال اللحظة الحاضرة.»


سألت الأسبوع الماضي: لماذا يبدأ الإنسان حياته بالبكاء؟ وأضحكتني بعض الإجابات حقيقةً.

  • ليعلن كفاحه من أجل البقاء — عبدالرحمن الصيرفي

  • لأنه امتلك صوتا قبل الكلمة، وحتماً تضيق به اللغة يوما، فيعود إلى حركته الأولى… البكاء. — كوثر العوادي

  • مُقدّمًا — غالية فهد.

وسؤالي لكم هذا الأسبوع، لماذا يستحيل -أو يصعب علينا- تعريف الجمال؟


أعجبتك النشرة؟ ودّك تستمرّ؟ أرسلها إلى 45 شخص قد تفيدهم وتابع قناتها في واتساب.

لماذا نكتب
نشرة قوارش
نشرة قوارش
كلّ سبت

نشرة بريدية أسبوعية تفكّك ألغاز المحتوى لمَن يخوضون معارك سوداء مع الصفحة البيضاء! 🖋️