اكتب كمهندس — الكتابة والهندسة حلّ لمشكلات 👷♂️
لا أقول إنّ الكتابة هندسة بل إنّ الفهم العميق له طريقة واحدة.

افعل ما تريد كما تريد إذا كنت فعلًا تريد، وصباح الخير.

أتذكر في سنوات دراسة الهندسة قولًا لأحد الأساتذة الكبار مفاده أنّ كبار المهندسين الإنشائيين يُطلب منهم أحيانًا إعادة تصميم ناطحات السحاب والمشاريع الضخمة مع توفير نسبة بسيطة (3% مثلًا) من كمية الحديد اللازمة للبناء مع بقاء نسبة الأمان نفسها، هذا النوع من التعديلات يستغرق ساعات من وقت المهندس ويوفّر مئات الملايين لمالك المشروع وبضعة ملايين في جيب المهندس.
هذه الدقّة العالية في التصميم -أو إعادة التصميم- تتطلب خبرةً عالية في تقدير ما يمكن حذفه من زوائد التصميم مع بقاء وظيفة المبنى وسلامة مستخدميه. وهذه الدقة يحاجتها أيضًا الكاتب الخبير حين يوصل رسالته بأقل عدد كلمات ممكنة، ومثلما كلّ عنصر إنشائي في المبنى يحمل وزنه ووزن عناصر أخرى معه، فيجب أن تحمل كل كلمة وزنًا وتوصل معنى، والمفردة الفارغة من المعاني ما هي إلا حشو. والبلاغة في أفضل تعريف لها: تجويع اللفظ وإشباع المعنى.
ثم إنّني بعد سنوات من ممارسة الكتابة وتعلّمها من أرض الميدان أكثر من الدورات والورش التدريبية، وجدت أن الطريقة التي أمارس بها الكتابة هي الطريقة التي تعلّمت بها حلّ المشكلات في مادة التصميم الهندسي، والعجيب أنّ هذه الخطوات يمكن استخدامها في كتابة النصوص الأدبية! ليس لأن الكتابة هندسة -أو أنّ المهندسين مغرورون لا سمح الله- بل لأن الفهم العميق له طريقة واحدة.
الكتابة بعقلية التفكير التصميمي
كما يقول الخواجة، تتلخّص خطوات التفكير التصميمي في هذه الخطوات الخمس:
Empathize ➡️ Define ➡️ Ideate ➡️ Prototype ➡️ Test
وبالعربي يا مسلم: تبدأ بمرحلة التعاطف والتقمص، ثم تعريف المشكلة، ثم توليد الحلول، ثم بناء نموذج أوّلي، ثم اختبار الحلول واختيار الأكفأ والأصلح. ودونك تفصيل الخطوات الخمس وكيف يمكن أن يطبّقها الكاتب.
1. افهم الإنسان قبل أن تكتب عنه
المهندس يفهم المستخدم. والكاتب يجب أن يفهم الإنسان:
بماذا يشعر؟
ماذا يريد؟
ماذا يتجاهل؟
ماذا يُخفي؟
2. ماذا تحاول أن تقول فعلًا؟
المهندس يعرّف المشكلة بدقة. والكاتب يسأل نفسه:
ما الفكرة التي أكتب عنها؟
ما الشعور الذي أريد نقله؟
ما السؤال الذي يقوله النص أو يطارد إجابته؟
كل نص هو حلّ لمشكلة، تستوي في ذلك المقالة والقصيدة والقصة والإعلان والبيان والإشعار.
3. توليد الحلول (أو العصف الذهني).
المهندس يطرح الاحتمالات ويأخذ الاحتياطات، ولا يثق بأوّل فكرة. والكاتب أيضًا يجهّز:
أكثر من فكرة.
أكثر من بداية.
أكثر من زاوية.
أكثر من جملة افتتاحية.
4. اكتب دون خوف أو تردّد
المهندس يبني نموذجًا أوليًا سهل التعديل والتطوير. والكاتب يكتب مسودة أولى! ركيكة / ناقصة / غير مكتملة، لكنها ضرورية. لأنّها تريه النقص.
5. الكتابة الحقيقية: إعادة كتابة
المهندس يختبر حلوله. والكاتب يراجع:
هل الجملة زائدة؟
هل الفكرة واضحة؟
هل الشعور متجسد؟
هل يمكن قولها بصياغة أبسط؟
وهكذا يكرّر الكتابة ويعيدها، إلى أن يصل إلى نسخة مُرضية دون إعادات «مَرَضية».

«القراءة السهلة هي كتابة شاقّة جدًا.»ـ
ناثانيال هوثورن

سألت صديقتي الحكيمة «ما الشيء الذي يتعلمه الإنسان في الثلاثينات ولا يمكن أن يتعلمه في العشرينات؟»
فأجابت وثرثرت ثم طلبت منها الاختصار فقالت:
العشرينات مرحلة «التجربة»، والثلاثينات مرحلة «الفرز والعمق». أهم ما تدركه في الثلاثينات:
1. الحدود: قول «لا» ليس وقاحة، بل حماية لطاقتك، وإدراك أن الوقت محدود يجعل الجودة أهم من الكم.
2. التصالح: التوقف عن ملاحقة وهم «الكمال» وقبول الذات بعيوبها كما هي.
3. الواقعية: اكتشاف أن الجميع «يرتجل» ويعيش تخبطاته الخاصة، مما يكسر هيبة الآخرين ويمنحك شجاعة المضي.
4. العمق: التحول من الرغبة في امتلاك «كل شيء» إلى الاكتفاء بامتلاك «الأهم».

سألت الأسبوع الماضي لماذا «الصمتُ أفضلُ ما يُطوَى عليهِ فمُ»؟ وأعجبتني هذه الإجابات الثلاث:
لأنه يسعك حين لا تسعك الكلمات — مزون سلامه
لأن طعمه أشهى وألذ من الكلام — دانه حمدان
لأن اللغة تختلف بين البشر ، والصمت لغة موحدة يفهمها العالم — هديل فايز
وسؤالي هذا الأسبوع لماذا يبدأ الإنسان حياته بالبكاء؟ 👶
أعجبتك النشرة؟ ودّك تستمرّ؟ أرسلها إلى 44 شخص قد تفيدهم وتابع قناتها في واتساب.

نشرة بريدية أسبوعية تفكّك ألغاز المحتوى لمَن يخوضون معارك سوداء مع الصفحة البيضاء! 🖋️