هل الكاتب موهوب أم شاطر؟
أخليتُ مسؤوليتي من الإجابة دائمًا، فقضيّتي هي السؤال ومحاولة فهم هذا العالم.

بعد أن قاربت نشرتي بلوغ الخمسين من عُمرها، وصل عدد المتفاعلين مع فقرة «ما قولك» إلى رقم كبير نسبيًا، لكنه العدد الذي كنت أظنّ أنّ هذه النشرة تستحقه في الأعداد العشرة الأولى. أتساءل كم عدد الأشياء التي لن تصلني قبل الخمسينات رغم توهّمي أنّي جديرٌ بها في الثلاثينات؟ صباح الخير.

مرّت 15 عامًا منذ أوّل تواصل مارسته مع البشر عن طريق المقالات، أو الحروف المرسومة على الشاشات. كنت مفتونًا بأساليب بعض كتّاب المقالات الصحفية والإنترنتّيّة، مقلّدًا ومستنخًا أحيانًا لمفرداتهم وتراكيبهم دون وعي. كنت أظنّ أنّ هؤلاء من «الموهوبين في الأرض» كما يسمّيهم بلال فضل، وعلينا أن نقلّدهم مثل طالب علم لن يصل إلى مرتبة الاجتهاد ما لم يمرّ بمرحلة التقليد.
مرّت الأيام وعشرات السنين والتجارب، تبدّلت أساليبي وتنوّعت قراءاتي، كتبتُ شعرًا وقصصًا وأفلامًا ومقالات كثيرة ومنشورات تواصل اجتماعي ألفيّة. مدحني العملاء والزملاء وأثنوا عليّ وجعلوني كاتبًا، ولم يقرّ والدي انسحابي من ماجستير الهندسة المدنية، ويغفر لي انشقاقي عن الهندسة، وعطالتي عن العمل تحت أشعة الشمس محاطًا برائحة الخرسانة، إلا حين أرسلتُ له صورة تكريم السديس لي بعد كتابة فلمٍ وثائقي للحرم المكّي عام 2018. أمّا والدتي فدائمة الدعاء لي.
كتبتُ أهمّ جُملةٍ في حياتي يوم الأحد الثامن من فبراير عام 2024 الساعة السادسة مساءً، حين توقّفت بسيارتي إلى جانب الطريق وكتبت أربع كلمات علّقتها في «بايو» حساباتي بمنصات التواصل الاجتماعي: «إنسان. ربما. يعرف. يكتب.» الجملة التي تُوكل لك مهمة الوصول لمعناها اعتمادًا على النقطة التي تختار التوقّف عندها، لتجسّد الحيرة اللصيقة بالإنسان.
سألتُني: ثم ماذا؟ من أنت؟ هل صرتَ من الموهوبين في الأرض أم لا؟ هل وصلت إلى مرحلة الاجتهاد؟
لماذا إذن تبدو كمن يعلّم الناس الكتابة في نشرة قوارش؟ ولماذا تُقحم اسم عائلتك في مشاريعك؟
هل أنت كاتبٌ مطبوع بالعقلية التحليلية التي اختارك الله لها دون إخوتك وأبناء عمومتك؟
هل أنت نتيجة قراءات الطفولة والمراهقة ومكتبة أمّك وجرائد أبيك؟ أم حصص التعبير والأدب؟
هل أنت نتيجة الصحوة أم سبيستون؟ أصدقاءك المؤمنون أم الشعراء منهم والمنحرفون؟
هل أنت نتيجة منتدى الساخر؟ محاضرات الهندسة؟ مشاريع الأفلام القصيرة أيام الجامعة؟ سلسلة #199_كلمة؟ الوظائف واللقاءات والأمسيات والخبرات؟ ثمانية؟
أم أنت مجرّد ناجٍ من الاكتئاب عبر الكتابة؟
هذه المقدمة الطويلة من التساؤلات التي تصيب معظم الكتّاب على وجه الأرض لا أعلم لها جوابًا. ولو دقّقتَ في رسالتي الترحيبية الأولى لك على وجه هذه النشرة، ستعلم أنّي أخليتُ مسؤوليتي من الإجابة دائمًا، فقضيّتي هي السؤال ومحاولة فهم هذا العالم. لكنّ ثمة حقيقة لا مفرّ منها، وهي أنّك أيها الكاتب مزيجٌ من ذلك كلّه. من التجارب التي اخترت خوضها، والظروف التي أُجبرتَ عليها، من الجرائم التي ارتكبتها، وقصص الحرب التي عشتها، والأقدار التي غيّرتها دعواتُ أمّك.

«لا تكتب لأنّك تريد أن تقول شيئًا، بل لأنّك تملك شيئًا تقوله.»
ف. سكوت فيتزجيرالد

سألت آلتين: ما أكثر صفتين لا يدرك جيل زد أنّها سيئة لكنه يطبّع معها بسبب ولادته في عالم الإنترنت؟
مزجت إجابتيهما (المسروقة منّا) ولخّصتها في ثلاث صفات جديرة بالنقل:
«عدم تحمّل بطء الحياة الطبيعي وتوقّع نجاح العلاقات والمهن فورًا بضغطة زر.»
إلغاء الخصوصية وتحويل المشاعر واليوميات إلى محتوى رقمي معروض باستمرار للتقييم.»
«اعتبار الوصول السريع للمعلومة بديلًا عن تكوين الفهم العميق.»

سألت الأسبوع الماضي، لماذا تبدو اللحظات جميلة حين تتحول إلى ذكريات.
معظم الإجابات ملهمة، ولأنّ عددها تضاعف عن آخر مرة، فلا مفرّ من مضاعفة اختياري منها:
لأننا ننزع عنها ألم الواقع طواعيةً فلا تخيفنا بعدها – نهى رضوان.
كأفلام التحميض القديمة، غُمست في العتمة حتى ظهرت ألوانها – أحمد مصطفى.
لأنها تتحرر من الالتزام – مرام المشاري.
لأن البشر مجبولون على -رمسنة- حياتهم وإن جحدوا ذلك. (رمسنة من الرومانسية) – دنيريس تارغاريان.
لأن الحاضر يأتي دومًا مع رفاقه، القلق والترقب والانتظار والحيرة، أما الذكرى فليس لها سوى صديقٌ واحد «الشعور» – رحيق كنجو.
لأن السكر لا يذاق إلا حين يذوب – طارق عطا الله.
السر يكمن في عدم عودتها، من يذهب يُثمّن – وعد البراهيم.
طريقة العقل في حمايتنا من الاكتئاب – ديمه الحبيب.
وسؤال الأسبوع القادم لماذا يظن الإنسان أن النسخة القادمة منه ستكون أفضل؟
أعجبتك النشرة وودّك تستمرّ؟ أرسلها إلى 48 شخص قد تفيدهم وتابع قناتها في واتساب.

نشرة بريدية أسبوعية تفكّك ألغاز المحتوى لمَن يخوضون معارك سوداء مع الصفحة البيضاء! 🖋️