هل نعيش في كذبة؟ — نظرية ضياء العوضي

الإنسان يحبّ القصص، ويبحث عن البطل المنقذ في كلّ قصة ويتعاطف معه (ويحبّه) ويغفر له تدخينه.

لو استطعتُ أن أختار بابًا لكسب الرزق غير الكتابة، وغير «تعليم الناس كيف يصبحون أغنياء»، لكان «تعليم الناس كيف يعيشون أصحّاء!». لا شكّ أنّ الجمع بين الصحة والمال غاية يتمنّاها الجميع، بشرط، أن تكون وسيلتها سريعة، قليلة الجهد، عظيمة الأثر المحتمَل! 

تأمّل العملات الرقمية وإبر التخسيس كمثالين عشوائيين لهذه الوسائل (السريعة قليلة الجهد عظيمة الأثر المحتمل)، ثم حاول إقناعي أنّها لا تحمل أيّ مخاطرة، وسأقول لك صباح الخير. 🤝


ما بقيَت صفحة ولا برنامج ولا منصة تواصل إلا وعلّقت على ترند «نظام الطيبات» واسترزقت من الجدل الذي أثاره ضياء العوضي قبل موته. وبما أنّ الخط التحريري لنشرة قوارش لا يشمل محاكمة الموتى أو تفنيد ادّعاءاتهم أو تصحيح آرائهم، لكنّ اهتمامها يشمل تحليل المحتوى، وتأمّل أسباب انتشاره الفيروسيّ عند عامة الناس وخاصّتهم. فلا يكاد أحد سمع بنظام الطّيبات ونجى من الشكّ الضّئيل في نظامه الغذائي، وراودته نفسه ولو للحظة بتجربة نظام الزيوت والسكّريات بدلًا من صدور الدجاج والخضروات، فالتجربة مغرية، ولن تضرّ على المدى القصير للشخص الصحيح!

هذا الشكّ الذي يراودنا حين نسمع حُجةً قويّة بلسانٍ مبين، يأتي تحت سؤالٍ عريض «هل نعيش في كذبة؟» هل يمكن أن يتآمر علينا الأطباء والشركات والحكومات ويدفعوننا لنأكل ما يسبّب لنا المرض، فندمن الأدوية ونستمرّ في خدمة الرأسمالية؟ 

وبالمبدأ نفسه، هل يمكن أن نعيش داخل كذبة اسمها الكرة الأرضية؟ وأنّ الأرض مسطّحة لكنّ «ناسا» والماسونية والشلّة الحاكمة للعالم تتآمر علينا؟

هل تقول يا نوّاف أنّ من يصدّق نظام الطيبات يحمل عقلية الأرض المسطّحة؟

لا أقول ذلك، المبدأ نفسه لكن العملية مختلفة تمامًا. 

على عكس نظرية الأرض المسطحة، نظام الطّيبات يرتبط بشخصية واحدة اختلقت هذا النظام وروّجت له «باستماتة»، وسبب كتابتي لهذه المقالة هو تفنيد الدوافع النفسية التي جعلت جماهير عريضة تؤمن بنظريّة الطيبات. هذه الدوافع والأسباب دوّنتها بعد مشاهدات متفحّصة وبحثٍ دقيق، وجمعتُها في سبعة بنود تحمل اسم «نظرية ضياء العوضي» غفر الله له، وتلخّص الفجوة الكبيرة بين «أن تكون على صواب» و«أن تصل للناس». 

البند الأول: الانحياز السلبي والخوف كوقود

الناس لا تتأثّر بمن يطمئنها أكثر من تأثُّرها بمن يخوّفها. الطبيب الذي يبني خطابه على «جسمك في خطر، أكلك مسموم، صحّتك مهدّدة»، يصل إلى الناس أسرع من الطبيب الذي يقول «كُل كذا وكذا وصحتك ستكون على ما يرام.» ينتبه الإنسان ويتيقّظ حين يشعر بأنّ حياته على المحكّ.

البند الثاني: وهم السيطرة في عالمٍ خرج عن السيطرة

نعيش في عالم يبدو خارج السيطرة: شركات متحاربة، أنظمة معقّدة، أوبئة مفاجئة، أسعار متصاعدة. ويأتي هذا الخطاب ليجعلك مسيطرًا على كلّ شيء «أنت تستطيع التحكّم في صحّتك وجسدك دون الحاجة لأحد. لا شركات ولا مستشفيات ولا أجهزة ولا أدوية ولا مكمّلات». ومَن منّا لا يحبّ شعور التحكم في أحبّ الأشياء إليه (صحّته)؟!

البند الثالث: ثُنائية الضحية والمنقذ

هنا أنت ضحية الصناعة والإعلام والطب، وصاحب النظرية وحده البطل المنقذ المخلِّص. ولن يأتي أحدٌ بمثل ما أتى به إلا شخص ينقل عنه ويعمل بكلامه. الإنسان يحبّ القصص، ويبحث عن البطل المنقذ في كلّ قصة ويتعاطف معه (ويحبّه) ويغفر له تدخينه.

البند الرابع: البساطة تهزم التعقيد — للأبد!

الحقيقة العلمية معقّدة، تعتمد على التاريخ المرضي والوراثي، معامل دقيقة وأجهزة وفحوصات متوالية وأدوية بمواعيد دقيقة وجرعات أدقّ… كلها خاضعة للتشكيك وإعادة النظر. بينما الدماغ يكره التعقيد ويحبّ البساطة. صفحة واحدة تلتزم بمسموحاتها وممنوعاتها وتفوز بأقلّ جهد وأعظم أثر محتمل!

البند الخامس: القبيلة قبل المحتوى

من المعروف أنّ صناعة الشعور بالانتماء جزء مهم لترويج أيّ فكرة بطريقة تُشبع حاجة الإنسان الفطرية لهذا الانتماء. ستجد فريقين دائمًا، فريق الواعين المستيقظين المحنّكين أعداء الرأسمالية والجهل والتقليد والظلامية، وفي مقابلهم فريق المخدوعين المخدَّرين المُنقادين بطيئي الاستيعاب. وحين تكون من فريقي (الأول طبعًا) فأنت مؤهّل للاشتراك في «عائلتي💞».

البند السادس: الكاريزما وما أدراك..

يظهر صاحب النظرية بتلقائية وعفوية كاملة، وإلى جانب نصائحه الطبية سيعطيك آراءه في الحياة والتربية والزواج والنساء وفي كل شيء تقريبًا. وهذا ليس استطرادًا خارجًا عن إرادته في «البثوث» بل استراتيجية لتقديم نفسه بصفته مفكّرًا شاملًا واثقًا ثابت المبادئ وقطعيّ الآراء، صاحب شخصية قوية تصادمية سريعة التخلّي، لا تأخذها في الحق لومة لائم. وهذا يزيد إعجابك به، وقبولك لآراء جاهزة توفّر عليك عناء البحث في عشرات المصادر المتناقضة.

البند السابع: دغدغة مشاعر موجودة أصلًا

يشعر الناس بأن أكلهم وحياتهم ليست كالسابق، وأنّ صحّتهم أسوأ من جيل آبائهم وأجدادهم، هناك شيء خطأ! ويأتي صاحب النظرية ليؤكد شعورهم ويسمّيه، ويشخّص أسبابه ويلخّص حلوله، فيشعر المتابع أنّ هناك من يفهمه ويتفق معه ويخلّصه من الحيرة والعجز بأبسط الطرق.

لا أزعم أنّ ضياء العوضي عرف هذه الدوافع واشتغل على تغذيتها في نفوس جماهيره، أو تعمّد أن يوظّفها لرفع رصيده الاجتماعي والبنكيّ، لكنّ الواقع يثبت أنّ هذه الدوافع سهّلت على كثير من الناس الانقلاب على ما يؤمنون به في لحظة. وهذا سلوكٌ عجيب إن تخيّلت سهولة تكراره في سياقاتٍ أخرى.


«إنَّ في البيانِ قوةً تجعلُ الأباطيلَ تتلألأُ كالحقائق، وتُضفي على الكذبِ هيبةَ الصدق.»

فولتير— بتصرّف


سألت الآلة سؤالًا «لو استطعتِ تصنيف الناس إلى صنفين فقط، فما هما؟ ولو كانوا ثلاثة أصناف، فما هي؟ ولو كانوا أربعة، فماذا سيكونون؟»

فأجابت:
«إن كانوا صنفين فهم: واعٍ لما يفعله، ومنقادٌ لما يحدث له.
وإن كانوا ثلاثة: من يفكّر، ومن يقلّد، ومن يلهو.
وإن كانوا أربعة: من يرى الحقيقة، ومن يبحث عنها، ومن يهرب منها، ومن لا يدرك أصلًا أنها موجودة.»

حكيمة بنت الآلة.


سألت الأسبوع الماضي، لماذا يستحيل -أو يصعب علينا- تعريف الجمال؟ فأجبتم:

  • لأن الجمال إدراك متغيّر يختلف باختلاف منظور كل شخص — سما عسيري.

  • لأنه إبهار دائم الاختلاف — مزنة فهد.

  • لأن الجمال نسبة وتناسب ولكل منا ما يناسبه — عبدالرحمن زاهد.

  • لأن كل إنسان يرى الجمال من زاويته الخاصة، متأثرًا بذوقه وتجربته وثقافته وذكرياته — هبه عادل.

وسؤال الأسبوع القادم يهمّكم معشر الكتّاب: لماذا تبدو بعض الأفكار عبقرية ليلًا وساذجة صباحًا؟


أعجبتك النشرة وودّك تستمرّ؟ أرسلها إلى 46 شخص قد تفيدهم وتابع قناتها في واتساب.

المحتوى
نشرة قوارش
نشرة قوارش
كلّ سبت

نشرة بريدية أسبوعية تفكّك ألغاز المحتوى لمَن يخوضون معارك سوداء مع الصفحة البيضاء! 🖋️