اكتب كمهندس— أيّهما أهمّ المعنى أم المبنى؟

هذا العدد لمن فاته حضور أمسيتي «كيف علّمتني الهندسة الكتابة»، ولمن حضر أيضًا، لا يفوتك.

‏قد يكون ثمن السيرة الذاتية الجيدة حياة غير جيدة، والخيار لك وحدك. صباح الخير.


أزعم أنّ الكاتب بمفهومه البسيط والمهندس بتعريفه النمطيّ «إنسان مختص بتحليل وتصميم الهياكل والمنشآت لضمان قدرتها على تحمّل الأحمال بأمان وكفاءة.» أكثر الناس قُربًا من عمل بعضهما، وبعد دراستي الهندسة دون ممارسة طويلة، وتعلُّمي الكتابة بالممارسة، لاحظت أنّ المجالين تعملان بالمبادئ والقوانين نفسها. 

في عدد اليوم والأعداد التي تليه أثبت لك وجوه الشبه بين المهندس والكاتب من أوجه عديدة لم يسبقنا إليها أحد والله أعلم.

أولًا: القواسم المشتركة بين هيكلة النصّ والمبنى.

إذا نظرنا لكل نصّ على أنه مبنى سنلاحظ هذا التشابه في الهيكلة:

  • الفكرة = الأساسات: فالنص مثل المبنى لا يهم شكله الجميل بدون أساس قوي!

  • العنوان = الواجهة: التي تجذب وتعبّر عن ما بداخل المبنى.

  • الفقرات = الأعمدة: التي تحمل النص وأفكاره ورسائله.

  • الانتقالات وجُمل الربط = الجسور: التي تربط بين الفقرات بطريقة تضمن عدم سقوط القارئ.

  • الخاتمة = السقف: الذي يجعل النص جاهزًا للقراءة.

ثانيًا: مثل ما المبنى عبارة عن شكل ووظيفة، فالنص عبارة عن فكرة (معنى) وصياغة (مبنى).

فهل الأهم الصياغة (المبنى) أم المعنى؟ ما الشيء الذي حين أنشغل به يتفوّق نصّي؟

بالتأكيد لن نحلّ الصراع الأزليّ بين المعاني والأواني، بين وظيفة المبنى والشكل الجميل الذي يرافقه، بين هدف النصّ واللفظ المتين الذي يحمله، لكنّني بعد طول تأمّل وجدتُ طريقةً مقنعة للجمع بين الأمرين وتغليب صاحب المصلحة الكبرى بينهما.

لطالما تأمّلت قول عمّنا الجاحظ: «المعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجميّ والعربيّ، والبدويّ والقروي، والمدنيّ، وإنّما الشأن في إقامة الوزن، وتخيّر اللفظ، وسهولة المخرج، وفي صحّة الطبع وجودة السّبك» فأتساءل كيف لأستاذ اللغة وحجّة البيان والتبيين أن يغلّب الظاهر على الباطن وينصر الشكل على الوظيفة؟ لا بدّ أنّ هذا النقل غير ثابت، أو أنّه لم يدرس الهندسة والمنطق، ثم تراجعت بعد تأمّل فكرةٍ أعمق.

فكّر معي:

لو قال لك أحدهم: «ليس كل أمنية تتمناها قابلة للتحقق، الحياة أحيانًا تسير عكس ما تريده.» ستجد كلامه ركيكًا مطروقًا. لكن المتنبي يبهرك بالفكرة ذاتها حين يقول: «ما كلُّ ما يتمنّى المرءُ يُدركهُ تجري الرياحُ بما لا تشتهي السفنُ!»

كذلك لو قيل لك: «أسوأ عيب في الإنسان: أنه يستطيع أن يكون أفضل، لكنه لا يحاول. ستقسم له أنّ هذه فكرة مبتذلة لا تقنع أحدًا ولا تؤثر فيه.» لكن المتنبي يقنعك ويغيّر خططك السنوية حين يقول: «ولم أرَ في عيوب الناس شيئا كنقص القادرين على التمام.»

نعم اللفظ الموزون المقفّى قد يصل بمعنى عاديّ إلى آفاق لا يصل إليها إن كان خاليًا من الزخارف والمحسّنات، لكنّ هذا الأمر يخصّ الشعر خصوصًا والأدب عمومًا، وهو ما يتضح أنّه قصد الجاحظ في عبارته الشهيرة.فالهدف من النصوص الأدبية التأثير الوجداني والعاطفي في المقام الأول، ولذا كان جمال المبنى مقدّمًا على قوّة المعنى وتميّزه. والعكس صحيح، في النصوص الوظيفية تسويقيةً كانت أم تقريرية، عليك أن توصل رسائل واضحة أو تقنع جمهورًا بأفكارٍ مميزة، فتأتي قوّة المعاني والأفكار أساسًا تبني منه بُنيانك.

ما دخل الهندسة في هذا يا نوّاف؟ علمًا بأنّنا عرفنا أنّك مهندس

سأقول لك، الأمر نفسه، من المباني ما يجب أن تتفوّق شكلًا ليصل تأثيرها الوجداني مثل المسارح والمتاحف والمراكز الثقافية وربما المباني الدينية، وبالمقابل هناك من المباني ما يجب أن تتفوّق في وظيفتها مثل المدارس والمستشفيات والمصانع ومواقف السيارات! فالجمال فيها ترف لا أحد يحاسبك عليه.

والقاعدة -في الهندسة والكتابة- تقول: كلما مِلت باتجاه المبنى، صعُبت عليك إقامة المعنى. ولكلّ قاعدةٍ شواذ تقريبًا.

والأمثلة من واقع الحياة اليومية كثيرة، كاتب المحتوى المفتون بتحويل نصه إلى قطعة فنية يصعب عليه إرضاء عملائه، والمعماريّ المفتون بتجسيد خيالاته في مخطّطاته تحلّ عليه لعنات المهندسين الإنشائيين في الموقع كلّ يوم. ولا شكّ أنّ الجمع بين الشكل والوظيفة، والمعنى والمبنى، هو الأفضل لكنّه الأصعب، ولأجله تُنفق الأموال وتهلك الأجساد والأقلام والعقول.

في العدد القادم سأخبرك عن حرية المهندس وقيوده وصفاته، وكيف يتّصف بها الكاتب المؤثر. حتى ذلك الحين شاهد هذا المقطع الوعظي من شيخ فاضل.

«Form follows function = الشكل يتبع الوظيفة.»

المعماري لويس سوليفان

سألتُ أحد الآلات، ما هو أكثر بيت شعري حكيم يلخص التجربة البشرية؟ فأجابت:

«إن تلخيص التجربة البشرية بكل تناقضاتها من طموح وانكسار، وعمار ودمار، في بيت واحد هو تحدٍّ للشعر، لكن لعل قول أبي الطيب المتنبي هو الأقرب لجوهر هذه الرحلة:

تُريدينَ لَقْيانَ المَعالي رَخيصَةً ... وَلا بُدَّ دونَ الشَّهدِ مِن إِبَرِ النَّحلِ

لماذا يختصر هذا البيت تجربة البشر؟

 ثنائية الصراع: يلخص أن كل إنجاز بشري (الشهد) له ثمن من الألم والمكابدة (إبر النحل).

 حتمية السعي: يؤكد أن طبيعة الحياة هي الحركة والجهد، وليست السكون.

 الواقعية: ينزع الغطاء عن التوقعات الواهمة، مشيرًا إلى أن المكاسب لا تأتي بالمجان، وهي قصة الحضارات منذ فجر التاريخ.»

سألتكم قبل سبعة أيام بلياليهنّ، لماذا يجلد الإنسان ذاته؟ والعجيب أنّ الأسئلة التي أتردد في طرحها تبدعون في الإجابة عليها!… المهم أنّي احترت ثم اخترت خمسة إجابات من قائمة طويلة رائعة:

  • لإثبات قوته على مخلوق لا يستطيع مقاومته — عبدالرحمن زاهد.

  • لأن صوته يصبح سوطًا؛ حين يتجاوز صحوة ضميره إلى التصور المثالي لذاته المتعالية — عمار البطحاني.

  • جُلد في صغره وكبُر يجلد نفسه ظنا أنه سلوك طبيعي — سمارا سعيد.

  • يتصارع مع ذاته كي لا يترسب — كوثر العوادي.

  • ربما لأنه لم يجلد بشكل كافٍ بطفولته ويحتاج تعويض هذا النقص مع مرور العمر — دانه حمدان.

وسؤال هذا الأسبوع، لماذا لا يوثّق الإنسان لحظاته التعيسة؟ 📸


أعجبتك النشرة؟ ودّك تستمرّ؟ أرسلها إلى 42 شخص قد تفيدهم وتابع قناتها في واتساب.

الهندسةمهارات الكتابةالتصميم
نشرة قوارش
نشرة قوارش
كلّ سبت

نشرة بريدية أسبوعية تفكّك ألغاز المحتوى لمَن يخوضون معارك سوداء مع الصفحة البيضاء! 🖋️