عن أسرار محتوى الضحك ودوافعه وعواقبه!
مثلما يكره البشر من يُهدر دموعهم (حزنًا وكمدًا)، فهم لا يملكون تجاه من يضحكهم (يُسعدهم) إلا الحب!

أصعب انطباع يصلني عن هذه النشرة أن يقول لي صديق أو قريب قرأ نشرتي «والله ضحّكتني..» ومع أنّ هذا الانطباع لم يصلني كثيرًا ولله الحمد، ومع أنّ شعورًا لذيذًا يصاحب الاتّهام بأنّك قد تعاني من خفة الدمّ، فسبب صعوبة هذا الانطباع على نفسي أنّ هذه النشرة ليست كوميدية، ولا مهمّتها إضحاكك، وفي الوقت الذي تتحوّل فيه عن هدفها الأول (الذي لا أعرفه بالمناسبة) ستشعرني بالملل، وحينها…. ستشعركم بالملل. هذا السبب الأول، أما السبب الثاني فلأنّ ثاني أصعب مهمة في الكوكب -بعد الولادة- أن تنجح في استخراج قهقهةً من جوف أحدهم. ثم صباح الخير.

قبل أسابيع حضرت عرض «ستانداب كوميدي» في جدة، كان مَن حولي يقهقهون ويتمايلون ضحكًا على نكاتٍ غبية، بينما يتجمّد وجهي خجلًا بالنيابة عن الجميع معظم الوقت، وحين سألني أحد الزملاء (الكوميديين) عن رأيي في العرض نصحته أن لا يسمع منّي ولا يعتدّ برأيي. لستُ ضمن الشريحة المستهدفة. 🤝
ربّما أكون الشخص الغثيث الذي يحاول فهم النّكتة قبل الوصول «للبنشلاين»، أو «النّفسية» الذي يحضر تلك العروض وهو غير متأهّب للضحك سواءً أمام خشبة المسرح أو أمام شاشة اليوتيوب، أو المحنّك الذي يتعامل مع فكرة إنهاء الأسبوع بتذكرة تُشترى لتطهير مشاعر الملل والضغوطات المتراكمة طوال الأسبوع كأحد إفرازات الرأسمالية التي تسلّع كلّ شيء يشعرك بالنشوة!
وبغضّ النظر عن افتتاح سلسلة قراراتي في 2026 بمقاطعة العروض الكوميدية إلا ما اضطُررت إليه، كان هذا الموقف دافعًا للبحث والتساؤل، لماذا يضحك الناس؟ ولماذا ينخرط أهل «الاستانداب كوميدي» في محاولات مستميتة لإضحاك الناس بأساليب تحمل في طيّاتها مخاطر تجاوُز الخطوط الحمراء، وخرق التابوهات بالإيحاءات الجنسية والإسقاطات العنصرية، ومواجهة «فشيلة» انعدام ضحك الجمهور؟
بعد تأمُّل، وصلت إلى نتيجة بسيطة وهي أنّ للضحك علاقة وثيقة بالحبّ. مثلما يكره البشر من يُهدر دموعهم (حزنًا وكمدًا)، فهم لا يملكون تجاه من يضحكهم (يُسعدهم) إلا الحب! ومَن منّا لا يبحث عن محبّة الناس؟ 🤷🏻♂️
مثلًا، الناس يحبّون عادل إمام أكثر من أحمد زكي حتى لو كان الثاني يفوق الأول فنّيًا، ويحبون ناصر القصبي حتى لو كان إبراهيم الحساوي أفضل منه تمثيلًا، ويحبّون رابح صقر أكثر من عبدالمجيد عبدالله حتى لو كانت المقارنة بين أصواتهم مجحفة، ويحبون الدّحيح ومحتواه الطويل حتى لو كانوا لا يتذكّرون إحصائية واحدة مفيدة من حلقاته فور انتهائها. يحبّون هؤلاء لأنهم باتفاق الأغلبية مضحكون = مثيرون للسعادة، ويتجاهلون أضعافهم من أهل السماجة والابتذال والجدّية الزائدة.
السؤال المهم: لماذا نضحك أصلًا؟
ينجح الكوميديّ في إضحاكنا حين ينجح في إصابتنا بحالة من هذه الحالات الشعورية تجاهه:
التفوّق المؤقت عليه، هذا الشخص غبي أو أهبل وتغيب عنه البديهيات، ويا لسعادتي.. أنا أفضل منه.
التّعرّي أمامه، هذا الشخص يكشف دوافعنا الخفيّة ويلمس نقاط الألم ويعترف بها أمام الجميع، يا لسعادتي.. لستُ وحدي!
لذّة الفهم معه، هذا الشخص يشير إلى مفارقة ساخرة ذكية وعميقة، ويا لسعادتي.. فهمتها!
وبخلاف الضحك الذي يُقطع به التوتّر في الحوارات، أو الذي يصيبنا كعدوى اجتماعية في التجمّعات، أظنّ أنّ من يستطيع فهم هذه الدوافع الثلاثة للضحك ويدرس آلياتها سينجح في اقتطاف الضحك من أفواه الناس، والحبّ من قلوبهم إن شاء.

«الحياة أهمّ من أن تؤخذ على محمل الجد.»
أوسكار وايلد

سألت الأسبوع الماضي: لماذا لا يكتفي الإنسان بما يملك (مهما امتلك)؟ وكنت أظنّه سؤالًا معقّدًا لولا أنّكم كسرتم الرقم القياسي لعدد الإجابات. وتباينت الإجابات كأنّها تردّ على بعضها، فاخترت منها أربع:
لأننا نولَدُ جَوْعى -غريزةٌ بِحَدّين- وهذا ما ساعدنا على البقاء حتى اليوم! — روند عاشور
لأنه اختزل تعريف العيش بالامتلاك — غالية فهد
لأن الاكتفاء موت بطيء يتنكر في ثوب الحكمة — ميرا عواد
لأنه مولَعٌ بدوافع التملّك، لا بعواقب الامتلاك. ولأن الاكتفاء عملية امتلاء، لا حالة امتلاك — أسرار سعيد
وسؤالي لك اليوم:
لماذا تشترك أصوات الضحك والبكاء في حرف «الهاء»؟ «هاهاها…» ↔️ «هي هي هي…»
أرجو أن لا يكون سؤالي مضحكًا.
أعجبتك النشرة؟ ودّك تستمرّ؟ أرسلها إلى سبعة أشخاص قد تفيدهم وتابع قناتي في واتساب.

نشرة بريدية أسبوعية تفكّك ألغاز المحتوى لمَن يخوضون معارك سوداء مع الصفحة البيضاء! 🖋️