نظرية «المديفر» في الصورة 🎤
لو قُدّر لهذه المقالة أن تصل إلى عبدالله وقرأها فسأوصيه بوصيّتين.

سأبوح لك بحبّي لشخصين لم أرهما ولم أعاصرهما، لكن حبّبتني فيهم الكلمة. محمد بن إدريس الشافعي، هذا الإمام صادف أنّ ديوانه الشعري كانت تحتفظ به أمي حفظها الله في مكتبتها الصغيرة، وقرأته مرارًا في سنّ عدم الفهم، لكن وصلتني حكمته ورهافة حسّه وفقهه. أما الثاني فهو الدكتور مصطفى محمود، لم أقرأ له أكثر ممّا شاهدت، فأحببتُ سَمته الهادئ وحجّته البالغة وتبسيطه للمعقّد، وحكمته التي تحضر في تأمّلاته التي لا يُشبهه فيها أحد. اقرأ لهما، وادعُ لي بالشفاء لأن هذا العدد مكتوب تحت تأثير الإنفلونزا. وصباح الخير.

هل سبق أن شاهدت لقاءً لخمسة مذيعين يحاورون ضيفًا واحدًا؟ أزعم أنّ هذا لم يحدث كثيرًا، لكنه حدث قبل 12 سنة حين اجتمع خمسة من مذيعي روتانا لمحاورة الأمير الوليد بن طلال في لقاء عُرض على 22 قناة! لا حاجة لمشاهدة اللقاء كاملًا، لكنّي أوصيك بمشاهدته لاحقًا لتقارن بين اهتمامات الشعب وقضايا الساحة وتتأمّل كيف اختلفت بشكل جذري عن يومنا الحاضر.
كنت حينها طالبًا في الجامعة لكنّي لا أفوّت برنامجًا لعبدالله المديفر لأني أعرف أنّه من القلائل الذي يطرحون أسئلة تهم الناس فعلًا! ستلاحظ من أوّل 12 دقيقة في اللقاء، ومن أوّل سؤال لكل مذيع من الخمسة، مدى اختلاف سؤال المديفر عمن سبقوه بأسئلتهم.
ما أحاول دراسته في هذه التدوينة القصيرة هو ما تفرّد به المديفر وما يمكنني تسميته نظرية المديفر وكيف يقنعك بتميّز محتوى برامجه من خلال مدرسة أثبتت نجاحها في الوصول والتأثير.
الإعداد المجنون 🔬
معظم حلقات المديفر تعتمد على الضيف لا الموضوع، لذلك في كل مرة يبهرنا المديفر -مع فريق إعداده المستقرّ- بمستوى البحث والاستعداد للضيف. إن دقّقت ستشعر أنّهم يلتهمون كتب الضيف، ويشاهدون ويفرّغون ويلخّصون جميع مقابلاته ومقالاته، ويتعرّفون على ما تيسّر من زملائه في العمل وموظفيه وأقاربه وجيرانه لنبش قصصه الصالحة للعرض والنقاش. المهم أن يكتشفوا مداخل الضيف ومخارجه، ونقاط ضعفه وقوّته، ويكشفوا ما لم يُكشف من قبل. وأعتقد أنّ الانسجام بين المديفر وفريق إعداده سرٌّ كبير لوصوله وتأثيره.
أسأل نيابةً عنك 🤝
يظهر ويتعمّد المديفر أحيانًا إظهار اهتمامه بأسئلة الناس أكثر من أسئلته الشخصية، مجاهدًا في إخفاء آرائه الشخصية وقناعاته، وهذا ممّا تميّزت به وسائل الإعلام التقليدية عن البودكاست والبرامج الحوارية المستحدثة، إذ تجد معظم مقدّمي البودكاست يطرحون الأسئلة التي يبحثون هم عن إجاباتها، ويفصحون عن آرائهم، وهذا ما يجذب أشباهَهم إلى برامجهم بسهولة. أمّا المديفر فيعتمد على ما يدور في أذهان الناس، وأبسط دليل أنّه منذ سنوات ينشر قبل الحلقة بأسبوع منشورًا في «تويتر» لاستقبال أسئلة الجمهور! نعم «إكس»، أكثر منصة لا تمثّل أحدًا لكنها بيئة خصبة للجدل الجماهيري والمحتوى المتطرّف بأنواعه. و«البيعة» هنا باختصار: أنا من أطرح أسئلتك التي يخجل أو يخاف المذيعون التقليديون من طرحها.
القوس الدرامي في الحوار 🎬
يبدأ المديفر حلقاته بتقرير لطيف، سيرة ذاتية مرئية تلمّع صورة الضيف أمام نفسه وترضيه حتى يرخي دفاعاته التي أتى محمّلًا بها بعد أن شاهد عشرات الحلقات واستعدّ لدهاء المديفر. هذه البداية الهادئة تتصاعد تدريجيًا لتتحوّل إلى ما يشبه التحقيق مع الضيف ومحاولة استخراج أصعب الإجابات منه، يعرض له تقارير تناقض كلامه، ومداخلات تختلف مع الضيف جذريًا ويطلب منه الرّد الفوري عليها، ثم يُنهي القوس الدرامي بما أسمّيه «النميمة الإعلامية» التي ينتظرها الجميع قبل شارة النهاية: انقلوا عن فلان أنّه يقول كذا. وكم ضحكتُ من ردود فعل الضيوف الذين يستدركون في اللحظات الأخيرة ويحاولون تعديل تلك المقولات دون جدوى، فموسيقا شارة النهاية بدأت و«مايك» الضيف لا يعمل.
المحاصرة سلاح فعّال 📐
يُتقن المديفر تضييق الخيارات وقطع طرق الهروب، يُشعر ضيفه بالخجل إن أجاب بغير الحقيقة أو نفى المعلومة دون تبرير كافٍ. يضعه في مواجهة الجمهور ويكرر دائمًا «الناس تسأل». يلعب دور الجمهور إلى درجة رفضه الإجابة على أسئلة الضيف العرضية مهما كانت إجاباتها بديهية. حتى لو سأله الضيف «مثلًا من أين تشرق الشمس؟» وانتظر إجابة «الشرق»، قد يقاطعه المديفر بجُملته الشهيرة «أنا هنا أسأل فقط». هذا العبء المدروس يجعل ضيوف المديفر في أحد موقفين، إما أن يكونوا صادقين أو أن يكونوا خائفين. وبهذا يفتحون أبوابًا ما كانت لتُفتح عند آخرين!
باختصار.. يصمت المديفر حين يتوقع منه الضيف أن يتكلم، ويتكلم حين يريد منه الضيف أن يصمت. وعلى عكس برامج أخرى، لا يترك المديفر ضيفه يسترسل إلا في مسارٍ محدّد مسبقًا، ويوجّهه لرواية قصص واستذكار مواقف يريدها ولن ينهي حلقته من دونها. يبتنّى اهتمامات الجمهور إلى درجة الظهور بمظهر العامّي أحيانًا ولا ضير، سيَشعر المشاهد أنهما توصّلا معًا إلى النتيجة نفسها. وأهلًا بالمزيد من الولاء والمتابعة.
ما سبق لا يعني أنّ المديفر يستخدم أسلوبًا واحدًا في جميع حلقاته مع جميع ضيوفه، ولا يعني أنّه على صواب أو خطأ في أيٍّ من هذا التحليل، وبالطبع لا يعني قدحًا في شخصيته أو أسلوبه، ولا أملك الخبرة التي تؤهلني لنقده أو تقويم عمله. لكنّني أعتقد أنّ الإعلام والصحافة والدراما والتسويق علوم متداخلة، هدفها التأثير في الناس، ولا يمكن لأحد أن يدرس واحدًا منها بمعزلٍ عن الآخر. ولو قُدّر لهذه المقالة أن تصل إلى عبدالله وقرأها فسأوصيه بوصيّتين لا مكان لهما هنا.

قد لا يكون الجمال فاضلًا دائمًا، ولكن الفضيلة جميلة دائمًا.

تساءلت في العدد الماضي لماذا نخاف من خسارة ما لا نريده؟ ووصلتني إجابات رائعة، منها:
خشية أن يشقّوا طريق الضياع لما نريده! — نوف السليمي
لأن فوبيا الخسارة تجعلنا نتفادى الشعور بالشعور. — عمران العمودي.
لأننا سنفقد معه القصة التي رسمناها لو حصلنا عليه. — تقى البوش.
لان وجوده يمنحنا امان الاحتمالات عند الطوارئ، تماما كعجلة السيارة الاحتياطية. — كوثر العوادي
ثلاث تاءات أولها التعلق بما لدينا والتشبث بحبائله وإن أصحبت بالية. ثانيهما التعود على وجوده رغم سكون الرغبة نحوه. ثالثهما التملك حيث يتملكنا الشعور بأن هذا الشيء لنا وإن لم نكن نرغب به. — ابتسام اللهواني.
وسؤالي لكم اليوم، لماذا يستمتع الناس بالبحث عن الفضائح؟ 🔗
أعجبتك النشرة؟ ودّك تستمرّ؟ أرسلها إلى ثلاثين شخص وتابع لقناة الواتساب ليصلك الجديد.

نشرة بريدية أسبوعية تفكّك ألغاز المحتوى لمَن يخوضون معارك سوداء مع الصفحة البيضاء! 🖋️