ليست مجرد مقالة — بل فضيحة 🔫🤖

كلّما قرأت مقالةً وشككت في اعتماد كاتبها على الذكاء الاصطناعي، أبحث فيها عن العلامة الأكثر تكرارًا فأجدها.

لا أحد ينجذب إلى ابتسامة مصطنعة، ولا أحد يتأثر بموقف مصطنع... فلماذا أصبح الجميع فجأة يتقبّل الذكاء المصطنع ويُعجب به؟! صباح الخير، هكذا.


على مدى أسابيع مررت بمنشورات عديدة، ووصلتني في الرسائل الخاصة بلينكدإن رسائل كثيرة، اشتركَت جميعها في سمة واحدة: أنها ليست مجرّد نصوص عادية! بل صياغات اصطناعية منسوخة نسخًا مبرحًا. ورغم توقّفي منذ عشر سنوات عن تتبّع زلّات الناس، إلا أنّ منشوراتهم أصبحت تنضح بكلام الآلات. فصرتُ كلّما قرأت مقالةً أو رسالةً وشككت في اعتماد كاتبها على الذكاء الاصطناعي، أبحث فيها عن العلامة الأكثر تكرارًا في الصياغات الاصطناعية، وللأسف لا يخيب ظنّي السيئ في معظم تلك المنشورات:

  • أستاذ جامعي يكتب عن مشاركته في مؤتمر عالمي فيقول إنّها «ليست مجرد مشاركة».

  • مشهور يعلّق على صورة مشاركة ولي العهد في حملة التبرّع بالدمّ بأنّها «ليست مجرد دعوة للتبرع بالدم».

  • موظف يشكر مديره في سطرين، يبدأها بقوله «فلان ما كان مجرّد قائد».

  • حساب رياضي يؤكّد أن فوز فريقه في المباراة «ليس مجرد فوز».

  • مقهى يعلن لعملائه عن عرض يوم الثلاثاء مع كابشن غير متوقع: ليس مجرد ثلاثاء!

  • كاتب محتوى يرسل لي رسالةً بليغة أثارت إعجابي، يطلب فيها رأيي في التقديم على شركة، وينهي رسالته بكلمةٍ أثارت تعجّبي: «اخترت التقديم عليها لأنّها ليست مجرد شركة.» 💔 

وترقّب 🤌 كلها أيام معدودة وستجد مئات الحسابات تقول لك إنّ اليوم الوطني «ليس مجرد احتفال».

أعتقد أنّ تلك المنشورات ومثيلاتها، أسوأ من رسائل تهنئة العيد التي تصلنا منسوخةً مع تبديل اسم المرسل فقط؛ ولهذا لن نتعامل مع تلك النصوص بجدّية. وجدتُني أقفز بين السطور وأفتّش -ويدي على قلبي- عن لزمات الذكاء الاصطناعي، فأجدها وأبكي قليلًا قبل أن ألغي متابعة الحساب. وصدّقني، هذه العلامة ليست سوى أُولى البشارات، فنحن أمام صياغات مستقبلية ركيكة لا طعم لها ولا لون، سترتجلها الآلة بناءً على احتمالات وقوع هذه الكلمة بعد تلك. لا تعبيرًا عن معنى ولا وصفًا لحالةٍ شعورية أو توجهٍ فكري.

فإن قال قائل: ما المشكلة في هذا؟ لماذا أنت ناقم على تسهيل التقنية لحياتنا -وجزء منها الكتابة-؟! هل تخشى فقدان وظيفتك؟

سأقول هذه ليست مجرد منشورات… العالم يتغيّر ويتبصّر، والكثير من الكتّاب قد يفقدون وظائفهم فعلًا حين يعتادون الاعتماد التامّ على الآلة ويفقدون مهاراتهم تدريجيًا.

لقد ظلّ البشر لعقود يسرقون من بعضهم النصوص والأفكار من باب الكسل والتسلّق على نجاحات بعضهم، حتى جاءت آلة لعينة سهّلت لهم نوعًا مختلفًا من السرقة، تُستغلّ فيه قواعد بيانات هائلة لإنتاج أفكار لا نهائية عديمة الوعي!

ثم إنّنا لسنا مجرّد كائنات حية... نحن بشر خُلقنا بملامح وألوان وأطباع وأصوات وبصمات مختلفة لحكمة، ولا يمكن أن تستقيم شؤون حياتنا وأعمالنا إذا أصبحنا نكتب بطريقة واحدة، وسنصبح كذلك قريبًا إذا جعلنا الآلة تكتب بدلًا عنّا، وتتغذى على كتاباتنا المنسوخة منها… مما يخلق دوّامةً لا تنتهي.

كيف أرى المستقبل؟

سينقسم عالم المحتوى إلى شطرين: مطبوع ومصنوع، وسيتمكّن الجميع من التفريق بينهما من أوّل قراءة. ستشترط الشركات على الكتّاب ألّا يستخدموا أيًّا من أدوات الذكاء الاصطناعي في مهامهم، وستُلزم دور النشر المؤلفين بالإفصاح عن نسبة المحتوى المصنوع في مؤلّفاتهم. 

تمرين هذا العدد ليس مجرّد تمرين 👐

اكتب منشورًا في لينكدإن بدايته «هذا ليس مجرد منشور كتبه الذكاء الاصطناعي»، واشرح لنا إحساسك حين تقرأ نصوصًا اصطناعية، وشاركنا عدستك الخاصة لاكتشاف المنشورات الاصطناعية. افعل لي منشنًا أو ذيّل منشورك بوسم #نشرة_قوارش حتى أراه.

في الختام، آسف إذا استفزّيتك بتكرار كلمة «ليس مجرد»، وصدّقني فِعلي هذا ليس لمجرد الاستفزاز، بل لإيصال رسالة وجودية، ولأشاركك نموذجًا واقعيًا لما يمكن أن نصل إليه من ركاكة حين نعتمد على الذكاءات الاصطناعية في أكثر فعلٍ إنسانيٍّ في الوجود: الكتابة، وحين نمنح تلك الأدوات ومقترحاتها ثقتنا العمياء ونتناسى أنّها «مجرّد آلات». 🤝


«الكتابة الجيدة مثل النافذة، تنظر من خلالها دون أن تلحظ الإطار.» 🪟

جورج أورويل


سألنا في العدد الماضي (لماذا يناقض الإنسان نفسه؟) ودارت معظم الإجابات حول تعلّمه من أخطائه وقلة ثقته بنفسه، وهؤلاء كان لهم رأيٌ مختلف:

  • لأن هذي الصِفة تُركت -حتى الآن- لتُميّز البشر. — غالية فهد

  • لأنه كائن متلون، عالمي الخاص شخصية وعالمكم أنتم شخصية ثانية. — حنان العنزي

  • لأنه ليس معادلة حسابية. — محمد الشيخ

  • ليختبر احتمالات نجاحه في نسخٍ أخرى. — أمجاد الغامدي

  • لأن سعيه للمثالية يسيطر على منجم أفكاره. — تقى البوش

سؤال اليوم أجب عليه بفلسفتك الخاصة في أقصر نصٍّ ممكن: لماذا يبرّر الإنسان لنفسه دائمًا؟ 🤷🏻‍♂️


أفادتك النشرة؟ تودّ أنّها تستمرّ؟ أرسلها إلى ثلاثة أشخاص قد تفيدهم وشكرًا. 💙

كتابة المحتوىالذكاء الاصطناعي
نشرة قوارش
نشرة قوارش
كلّ سبت

نشرة بريدية أسبوعية تفكّك ألغاز المحتوى لمَن يخوضون معارك سوداء مع الصفحة البيضاء! لن أعطيك نصائح سطحية ولا حِكم مكررة، بل أفكارًا حادّة تساعدك في شحذ قلمك وسنّ أفكارك. 🖋️